القائمة الرئيسية

الصفحات

الحكاية الأولى : (عائشة و علي )

يحكى أن رجلا تزوج بابنة عمه فأنجبت له في بطن أول بنت سماها "عائشة "تيمنا باسم والدته المتوفاة.
و كبرت الطفلة الحلوة المدللة. و كانت أمها تعلمها كيفية الاعتناء بالبيت البسيط. و كانت كل ليلة تقص على مسامعها حكايات الغابرين و مغامراتهم الشيقة. و تصف لها أهوال السفر و مشاقه؛ التي لاقوها أثناء تنقلاتهم بحثا عن الماء و الكلأ.و تحدثها عن حكمهم و تجاربهم. و كانت البنية الذكية تحاورها. و تسالها عن كل التفاصيل. و ذات ليلة هرعت إليها متسائلة عن بقية قصة بدأتها سابقا.فوجدتها تتألم و تصرخ. و تتضرع الى الله ان يسهل ولادتها. بادرت الطفلة الغرة بمساعدتها. ووضعت قدر الماء على الموقد. و قدمت لها تمرا رطبا و عسلا مصفى. لكن مخاضها كان عسيرا. و لم ينبلج فجر الغد الا و قد فارقت الحياة. بعد أن ولدت طفلا بهي الطلعة سماه أبوها "عليا" .
بقيت عائشة تعتني بأخيها الرضيع. و تحلب العنزة كل صباح. و بعد أن تغلي حليبها.تتركه في فيء الشجرة ليبرد. ثم تأخذ كويرة صوف. تنقعها.و تعصرها في فمه الصغير، حتى يشبع و ينام قرير العين في حضنها الحنون.
و ما إن بلغ علي سنته الأولى؛حتى قرر الأب الزواج ثانية.و ساعده صديقة في إيجاد إمرأة مناسبة. و بعد شهور قليلة تغير سلوك الزوجة مع "عائشة "؛ التي كانت لا تدخر جهدا في القيام عنها بكل شؤون أبيها و أخيها.
بدأت المرأة الحقودة توغر صدر زوجها على ابنته.و تسعى جاهدة لإقناعه بضرورة التخلي عنها و "علي".
و بعد لأي انصاع الرجل لرغبتها. فأيقظته ذات فجر و جمعت أدباشهما في كيس. و خرجا متسللين خلسة كلصين هاربين. أفاقت عائشة كعادتها كل صباح. فوجدت خبزا و حليبا. و نهض أخوها سائلا عن ابيه. فلم يظفر منها بإجابة فهي لا تعرف عنهما شيئا.
جلس الطفل الى المائدة قبالة أخته.و هم بقضم قطعة الخبز غير أنها افتكتها من يده.و رمتها إلى القطة القابعة حذوهما.أبدى علي امتعاضه من تصرف" عائشه "و سألها باكيا:
-"ليس في بيتنا غير هذه الكسرة فلماذ لا نتقاسمها؟"
أشارت الى قطتها الرمادية ذات العيون الخضر و هي تتلوى من الألم.و أجابت اخاها بالقول:-"هل رأيت أيها الأبله.لو أكلتها لكان مصيرك الموت. انظر إليها. المسكينة!لقد سكنت حركتها. و ماتت مسمومة. فتلك المرأة الشريرة التي سحبت والدنا معها. خافت أن يتراجع. و يحن إلينا.و يعود لاحقا. فيجدنا.و فكرت أن تتخلص منا بدس السم في طعامنا."
ذعر الصغير و بكى فراق الهرة أكثر من فراق أبيه.فقد اكتفى بوجود شقيقته الطيبة التي عوضته حنان أم افتقدها منذ أول نفس له في الدنيا. و لم يبال بغياب والده و زوجته الخبيثة.
أسقط في يد الفتاة و بدا على وجهها النضر وجوما مخيفا. ثم تمالكت نفسها و قررت الخروج من المنزل. و سؤال متساكني البلدة معونة؛ تقيها الكفاف و اخيها.
كانت تقرع الباب تلو الاخر؛فلا تجد ردا. إلى أن كلت يداها. فجلست قرب سور آخر بيت في زقاق ملتو. لترتاح قليلا. و تفكر في حل ثان.
كانت عائشة واجمة، حزينة،شاردة، حين مرت عجوز قصيرة القامة؛ضخمة الجسم تمشي الهوينى.و تتوكا على عصا غليظة بيد.و تمسك بالاخرى قفة ملأى خضرا و ثمارا.هرعت إليها الطفلة.و بادرت إلى مساعدتها على حملها الثقيل.
شكرتها السيدة حين وصلتا امام الباب.و تذكرت عائشة أنها تركت اخاها يتضور جوعا في اول الزقاق.فقصت حكايتها على مسامع العجوز. و رجتها أن تعطيها ما يسد رمق اخيها. إلى أن تبحث عن عمل يكفيهما ذل السؤال.
اقترحت المرأة عليها أن يعيشا معها في بيتها الكبير. و بالمقابل تقوم الفتاة باعباء المنزل. و يرعى معها الفتى الأغنام في الحقل المجاور.
قبلت "عائشة " عرضها و البشر يعلو محياها. و بقيت حولين كاملين تجتهد في ارضاء ربة العمل. و تساعد "عليا " في عمله. فكانت كل يوم تلتحق به ساعة الغداء. ليأكل و يستريح قليلا. بينما تجلس قربه و تغني لشياهه عذب اغنيات خفظتها عن أمها . فكانت الغنمات تنتشي بصوتها الأخاذ. و تبقى حولها و بقربها لا تتحرك و لا تبتعد.
حين عودتها؛كانت الفتاة تصطدم بشجيرة عليق صغيرة في وسط المسلك الترابي المعهود. حتى تكاد تسقطها.فقررت ازالتها.و ما إن هوت عليها بفأس أحضرته للغرض؛حتى رأت جفنة من الطين مطمورة تحتها.أخذتها و فتشت داخلها. فوجدتها مليئة ذهبا و ياقوتا.فخباتها بين الملابس في الخزانة. و قررت أن تختبر ذكاء شقيقها قبل أن تطلعه على سرها.
حين اختلت به مساء؛ بادرته بالسؤال:-"أخي ما رأيك لو وجدنا كنزا.ماذا نحن فاعلين به؟"
فكر الصبي اليافع. و رد بغباء:"نشتري كرة و نلعب بها معا."
سكتت عائشة و قررت أن تواصل حياتها. و كأن لا شيء طرأ عليها.
بعد أكثر من عام بادرت عائشة أخاها بالسؤال:-"ماذا لو وجدنا كنزا .ماذا سنفعل به ؟"
و دون تفكير رد الصبي :-"سنشتري حصانين و بندقيتين و نترافق في رحلة صيد داخل الغابة البعيدة."
فكرت الفتاة طويلا. و اثرت الصمت هذه المرة ايضا.و انصرفت إلى أشغالها الكثيرة التي زادها مرض العجوز مشقة.
كانت الصبية تتقد نشاطا و حيوية. و تتنقل بين أرجاء البيت الفسيح كنحلة عاملة،نشيطة؛و تهتم بمريضتها كأبرع الممرضات. و لا تدخر جهدا في تخفيف معاناتها. فتغني لها أغنية حب كلما سرحت لها شعرها و صففته.
و تلاطفها؛و تقص عليها قصصا شيقة، ممتعة. و تدللها بإعداد الثريد بلحم الضأن الذي كانت تحبه. فهي لن تنسى جميل هذه المرأة الغريبة يوم فتحت لها أبواب بيتهاو قلبها. و احتضنتها بحنان. و عاملتها بمنتهى الطيبة و الاحسان.
ذات صباح؛استفاقت عائشة باكرا؛ و فتحت باب الغرفة لتتفقد حالة العجوز النائمة.و تستشيرها كدابها دائما ؛في أمور المنزل و حاجياته.
نادتها و هي تقترب بهدوء من فراشها.لكنها لم تجبها و لم تحرك راسها.و لم تفتح عينيها كعادتها.
تجمد الدم في عروقها.و خنقتها العبرة.و لم تقو على تحمل الفاجعة حين لمست جبينها فوجدته باردا. ووضعت اصبعها على انفها فلم تجد نفسا.
و عادت إلى رشدها حين تناهى إلى سمعها صوت" علي "
يصرخ منتحبا،و هو بجانبها؛يتأمل وجه الجدة كما يحلو له أن يناديها.
كانت هامدة بلا حراك .و لم يبق في تلك الملامح التي عجنها الزمن أية علامة للحياة.
أقامت عائشة مأتم عزاء يليق بفقيدتها العزيزة. و تصدقت عليها بمال أوصتها أن توزعه على الفقراء.
قررت الفتاة مصارحة أخيها بأمر الكنز؛ بعد ان أصبح شابا وسيما، مفتول العضلات، متحملا لعدة مسؤوليات كانت تدفعه إلى تحملها كما يجب أن يكون.
استغرب علي كتمان أخته سرها لعدة سنوات. و عاهدها أن يكون لها أخا و ابنا بارا. و أن يحسن التصرف. و يلتزم باستشارتها في كل ما يعتزم القيام به.فهو لا ينكر عليها حكمتها و قوة شخصيتها. كما يقدر كل تضحياتها من اجله.و يعتبرها أما لم ينجبه رحمها.لكن احتضنه قلبها بحنان لا نظير له.
انتقل الأخوان للعيش بقصر فخم؛ اشترياه بعد أن بعث "علي" "مشروعا تجاريا يدر عليه أموالا وفيرة. و اختار لأخته جناحا مطلا على البساتين الممتدة. لتنعم فيه برغد العيش.أما هي فقد آثرت أن تزوجه من فتاة اختارتها له لينجب لها أحفادا يملؤون حياتها شغفا و مسرة . ....
أقامت "عائشة "لاخيها عرسا باذخا مهيبا. دام سبعة أيام بلياليها. استدعت له كل الأصحاب و المعارف و الأحبة .
و خصصت للعروس جناحا فخما؛ يطل على بستان الكروم التي يحبها "علي" و لا يمل التجوال بين دواليها المحملة عنبا.
كان "علي" كل ليلة يمر بأخته ليحدثها عن كل ما عاشه يومها. و يتسامر معها. و يستشيرها في امور تجارته.ثم يأوي الى زوجته التي لاحظت شدة تعلقه بشقيقته. و غاظها أنه لا يدللها.و لا يهتم بها مثلها.فكرهتها بصمت. و زاد كرهها لها حين اقترحت على "علي "الزواج ثانية. لانه لم يرزق بالطفل المنشود. و لم تحقق حلمها بأن يضج القصر كثير الحجرات و الاجنحة بضحكات الصغار و لهوهم؛ رغم مرور ثلاثة سنوات.
و تتالت زيجات "علي" و لم تفلح أي من زوجاته الأربع في الإنجاب؛ رغم كل الاطباء و القوابل الذين أحضرتهم لهن عائشة. إلى أن تسرب اليأس إلى قلبها. و رضيت بما قدره الله.و لم يدر بخلدها يوما أن اخاها عقيم.فقد كانت تنزهه و تعتبره سليما معافى.كيف لا و هو شاب قوي البنية شديد البنان!
و رغم تقدمها في العمر كانت عائشة فاتنة الجمال،دعجاء العينين ،فارعة الطول كشجرة سرول، خالطت بياض وجنتيها حمرة زادتها اشراقا و بهاء. و كان شعرها البني الطويل ينسدل على كتفيها. ليداعب خصرا أهيف يسر الناظرين.كما كانت شديدة التأنق و التجمل.و كأنها تثأر لأيام صباها؛ قضتها تشقى و تتعب من أجل لقمة وملابس بسيطة.
و أكثر ما يميزها؛ذكاءها المتوقد و فطنتها.إضافة إلى كرمها الحاتمي و طيبة قلبها.
إلا أنهاكانت ترفض العرسان الذين يأتون من كل فج لخطبتها.و لشدة تعلقها باخيها، لم تتصور حياتها دونه.فهي تعتبره ابن قلبها، و مهجة فؤادها.و قد أشبعت مشاعر الأمومة فيه حد الاكتفاء.
و مرت السنون دون أن تتفطن إلى غيرة زوجات أخيها و كرههن المتنامي لها .
و رغم كل ما بذلته من أجلهن. إلا أن إحساسهن بأنها سيدة القصر و ربته. و بأنهن مجرد ضيفات فيه. و غيرتهن من حسنها الأخاذ، و سرعة بديهتها،و فصاحة لسانها، جعلهن يفكرن في التخلص منها بكل الطرق. غير أن العناية الالاهية تحدوها دائما. فتنجو كل مرة من حبائل شياطينهن.
إلى أن جاء اليوم الذي اتفقن فيه على حيلة جهنمية تجعل "عليا"يكرهها و ينبذها.ليخلو لهن وجهه.و يستأثرن باهتمامه و حبه. غير اسفات عليها.
انبرت الزوجة الأولى في تنفيذ فكرتها الجهنمية. فأحضرت بيضة ثعبان دستها في إحدى كويرات الشكلاطة،التي وضعتها ضمن أطباق المقبلات و صحون الجوز و اللوز و كؤوس الشراب الفاخر.
و أعدت مجلسا في الحديقة الخلفية للقصر بمساعدة ضرائرها و طلبت من "عائشة "أن تشاركهن الأكل والسمر.
قبلت الفتاة العرض على مضض. فتأنقت كعادتها. و اقبلت اليهن تتهادى في ثوب مخملي مطرز بالعقيق و المرجان و موشى بالزبرجد و الجمان، كأميرة سليلة ملوك الزمن الغابر؛ و هن يكدن يتميزن غيظا و غيرة.
و ما إن بدأت السهرة، حتى طلبن منها أن تطربهن بإحدى الأغنيات التي كانت ترددها بصوتها العذب ، الجبلي الشجي. فغنت "عائشة "كما لم تغن من قبل. و صفقت لها كفوفهن. و ضحكت عيونهن؛ و في قلوبهن حقد دفين و مكر و خيانة نجحن في إخفائها بضحكاتهن الماجنة و اسرافهن في التملق لها.
و ما إن كفت عن الغناء لتشرب عصير الرمان الذي احضره" علي" خصيصا لهذا الحفل العائلي؛ كما ادعت إحداهن. حتى بادرتها الزوجة الثانية بالقول:
-"هل تقبلين مشاركتنا في مسابقة نثبت فيها من الأجدر فينا بحب أخيك و من تعشقه اكثر؟"
أجابت "عائشة " دون تردد:
-"و هل بينكن من تحب عليا أكثر مني؟إنه مهجة الفؤاد و شقيق الروح. لقد ربيته و كبرت معه و احتضنته في مقلتي و اسكنته بين الضلوع.و لن تربحنني في هذا الرهان. أنتن خاسرات مسبقا و اؤكد لكن أنني الفائزة. "
و لم يدر بخلدها حينها أن تلك الليلة ستكون نقطة تحول جذري في حياتها.و ستأخذها الى مصير مجهول. بعد أن قبلت ابتلاع كويرة" الشكلاطة "دفعة واحدة دون مضغها.
عادت "عائشة "إلى مخدعها آخر الليل قريرة العين،سعيدة لفوزها بالرهان. دونا عن زوجات أخيها الأربع؛اللاتي تظاهرن بأنهن لم يقوين على بلع كويراتهن بلا مضغ.
و بعد أيام بدأت الفتاة تشعر بإعياء يكاد يشل حركتها. و شحب وجهها الجميل. فاصبح بلون الاقحوان. و فقدت شهية الأكل و الشرب. و صارت تستيقظ كل صباح؛خائرة القوى؛ تعاني صداعا شديدا و اجهادا.و تتقيا مرارا طافحا بطعم الحنظل.
لاحظ "علي " شحوبها و شرودها. و كلما دخل عليها ليتسامر معها و يحدثها وجدها ذابلة كزهرة عطشى ؛جف تراب أصيصها.
احتار في امرها. و جاءها بالطبيب الذي أكد له انها لا تعاني من اي مرض.
زادت حيرته و اندهاشه من تغيرها. و بدأ الشك يتسرب إلى قلبه. حين حرصت كل واحدة من زوجاته على التلميح المبطن حينا و الصريح أحيانا بان "عائشة " قد وقعت في المحظور بلا شك.و أنها أصبحت تحمل في أحشائها بذرة الخطيئة.و ليقنعنه بظنونهن كالت لها كل منهن التهم الباطلة. و لفقت أكاذيب يشيب لها الولدان.
كان الرجل يتأرجح بين شك ينخر تفكيره كسوس يسكن قمحا؛و بين يقين بطهارة أخته التي يعرف مدى تدينها و عفافها و عزوفها عن الرجال.
و ليتأكد من شكوكه؛جلس بجانبها و ارتمي على ركبتيها
طالبا منها ان تعبث بشعره و تغني له كما كانت تفعل في صغره ؛كلما انتابه الضيق و الهم.
تمالكت "عائشة " نفسها و بدأت تغني بصوت خافت "
(الدمع دمعي و العيون عيوني ...
عالقلب ما أقسى جفاك يا مضنوني
انت الغلا و انت برد دمع جفوني
لو تدري بمواجعي و محوني
النار اللي شبت في لفيف حشايا
يدري علاها كان خالقي مولايا .)
نهض علي و الدمع يملأ عينيه المتعبتين؛و الألم يمزق قلبه على اخت بنكهة أم و بحجم وطن كانت تسكنه و يسكنها.
فقد قطع الشك باليقين حين احس بحركة غير عادية في بطنها المتكور.و شعر بغيظ يتسرب في عظامه. فتتهشم و غضب يجتاح كل كيانه. فتصطك اسنانه ويعلو صريرها كقطعة حديد يلهبها السندان حين تهوي عليها مطرقة حداد قوي. و هو يلجم غيظا و يفكر في حل يجنبه الفضيحة و الهوان .
ومنذ الصباح الباكر عاد "علي"الى اخته ليخبرها انه عليها التجهز لجولة معه على ظهر جواده الابلق في احضان الطبيعة الخلابة و قد بسط فصل الربيع ذراعيه خضرة و الوانا فاصبحت زربية سندسية مزركشة تريح العيون و تزيد النفوس غبطة و حبورا علها تظفر براحة ينشرح لها صدرها و يشفى جسمها العليل .
استبشرت "عائشة "بطلبه حين قال لها مازحا :"سنحقق حلما غبيا لطالما فكرت به و نحن صغيرين ؛سنحمل بندقيتين و سنترافق في رحلة صيد بري .ما رايك يا حبيبة اخيك؟"
غادر الاخوان القصر قبل ان تفيق الاعين و كان الحصان يعدو بسرعة عجيبة نحو البراري البعيدة و علي يلكزه بين الفينة و الاخرى ليزيد في سرعته و كانه يستعجل الوصول .اغمضت الفتاة عينيها حين شعرت بالدوار و الاعياء و تمسكت به بكلتا يديها و اراحت راسها على ظهره و لسان حالها يقول :"لا تتركني يا حشاشة روحي فانا اقوى بك على الالم المتنامي بين ضلوعي وقربك يجعلني اتشبث اكثر بالحياة كلما احسست باختناق نفس استرده بصعوبة "
لازمهما صمت مريب ارتاحت له طيلة النهار و الجواد يلهب الارض قدحا بصفائح حوافره و يسرع نحو وجهة لا تعلمها .
و لم تنتبه من غفوتها الا حين توقف الحصان امام كوخ بسيط على ضفاف نهر رقراق .ساعدها اخوها في النزول من صهوته و نصحها بالجلوس قليلا ريثما يبحث عن صيد يفتتح به الرحلة قبل ان يسدل الليل ظلمته على الكون .
حين عاد علي و في يده خرنقا صغيرا نجح في اصطياده كانت تتامل مغيب الشمس بعينين ذابلتين .
لطالما عشقت شروقها و غروبها و استمدت من حرارتها عنفوانا و شدة لكنها الان تعاني خواء و ضعفا يحجب عنها نورها و توهجها .
اشعل النار على عجل و كانت تنظر الى الارنب بجانبه ملقى مثلها كخرقة بالية لا روح فيها.
دخل الأخوان الكوخ بعد أن أنهيا عشاءهما .فارتمت "عائشة "على الفراش و قد خالط النعاس عينيها و كان "علي " يحدثها كيف اشترى هذه الأرض الشاسعة من تاجر أشهر إفلاسه بعد أن بدد ثروته في اللهو و المجون.
و كان ياتي الى هنا كلما شعر بالضيق و التعب ليتخفف
من السأم و الرتابة. و يرتمي في أحضان البرية العذراء.
التي تنسيه همومه و عقمه؛ الذي كان يطبق على أنفاسه كلما رأى طفلا يلهو قرب أمه اوأو صديقا يمسك يد ابنته.
فقد كان هذا المكان ملجأه السري الذي يهرع إليه ليرتاح من أعباء العمل صخب زوجاته و غيرتهن.
و حانت منه التفاتة لأخته فوجدها قد استسلمت للنوم. كان يكفكف دمعة نافرة و هو يغادر تحت جنح الليل و يترك ملاكه الحارس وحيدة في هذا المكان المنعزل الذي لم تصله اقدام البشر.لكنه كان مرتاحا لقراره؛ غير نادم على هذا الحل الذي ارتآه؛ ليتخلص من الفضيحة دون ان يتورط في قتلها.
حين أفاقت صباحا كانت أشعة الشمس الدافئة تتسرب عبر كوة أعلى الجدار فجالت ببصرها في أرجاء الغرفة فلم تجده بحانبها و لاحظت أن الفراش في الزاوية المقابلة مرتب.كما رأته البارحة فتأكدت من حدس لازمها منذ الأمس. لقد رحل أخوها و تركها لمصير تجهله.
تمالكت نفسها و قامت بجولة قصيرة على ضفة النهر و هي تفكر كيف ستكون حياتها بعد اليوم .
أحست بحزن عميق وألم يمزق نياط قلبها و هي تتذكر كل تضحياتها من اجله.و كيف رفضت كل الشبان الذين طلبوا يدها للزواج لتبقى بجانبه و تدعمه في كل خطوة يخطوها.هاهو اليوم يتنكر لها. و يخذلها كما خذلهما والدهما من قبل.
مر سيد الفصول على أيامها ببطء زاده مرضها قسوة و مللا. لكنها قررت أن تسد فراغها المميت بعمل مجد؛ و ممارسة هواية صنع أوان من الطين كانت تزينها بمستخلصات الازهار و النباتات البرية؛ التي تملأ البساتين الممتدة على مدى البصر حولها. و كانت تجعل منها أصصا لشجيرات جلبتها من الجوار. لتكون حديقة لبيتها البسيط .الذي اختارت أن تلازمه على أمل ان يتراجع علي عن قراره.و يأتي ليعودا معا الى القصر.
ذات صباح؛ كانت الفتاة تعجن الطين كعادتها؛ لما لمحت عن بعد قطيع اغنام يقترب. و ابتسمت لأول مرة منذ وصولها إلى هنا و أسرعت تحث الخطى في اتجاهها و هي تنادي باعلى صوتها :"انا هنا ايها الراعي .اين انت ؟انا هنا ."
و ما هي الا لحظات حتى وجدت نفسها بمواجهة شاب أسمر،متوسط القامة، أجعد الشعر،أسود العينين.ينظر إليها باستغراب و يصيح:"جنية انت أم انسية؟"
فأجابته بصوت متهدج :"أنا انسية.لا تخف مني فأنا بشر مثلك ."
كان الرجل يحملق فيها مأخوذا بجمالها الأخاذ. وهو لا يكاد يصدق أنها إمرأة و ليست جنية خرجت من النهر.لا بل هذه حورية من حواري الأساطير التي كانت تقصها عليه جدته.
جلست "عائشة "بجانبه تحت السنديانة الكبيرة و قصت عليه كل ما جرى معها مذ كانت طفلة الى اليوم.
فهم الراعي سبب آلام بطنها و الحركة الحلزونية التي حدثته عنها في أحشائها. .
طلب منها أن توقد نارا. و جرى إلى خروف. فذبحه بسكين كبيرة كان يخفيها داخل جرابه. و لم تمض ساعة حتى بدأت رائحة الشواء تنتشر في الارجاء. بعد ان ملأ الراعي تجاويف بطن الحمل المذبوح ملحا.بدأ يقدم لها القطعة تلو الاخرى. و يشجعها على أكلها. رغم ملوحتها الشديدة .
حين تأكد من عدم قدرتها على تناول المزيد. وضع قدحا مملوء ماء باردا. و طلب منها أن تنكفىء عليه. و تفتح فمها دون ان تشرب.
و ما هي الا دقائق معدودات؛ حتى خرج من بين شفتيها رأس ثعبان ارتمى في الاناء.و بسرعة البرق ،أحكم الشاب قبضته على ذيله.و لوح به في الفضاء بحركة دائرية سريعة و متواصلة. ثم لطخه على صخرة مجاورة لطخة تهشم لها راسه. و هوى عليه بفأس و مزقه اربا.
بعد أن أنهى مهمته التي خطط لها بنجاح. التفت الى الفتاة فوجدها قد ارتمت مغشيا عليها من هول الصدمة.
حين استفاقت عائشة وجدت الراعي جالسا بقربها يتاملها في صمت.
اغرورقت عيناها من شدة الفرح لما تذكرت حيلته التي انقذتها من مارد قمقم استوطن أحشاءها و كاد يهلكها فبادرته بالقول":"
لا أعرف كيف أشكرك أيها الغريب الطيب" .لقد خلصتني من مكيدة دبرت لي بليل. و فجعتني في شقيقي. و كادت تقتلني.أنت بصنيعك هذا؛ أهديتني عمرا ثانيا. و أنا من الساعة طوع بنانك و مستعدة لأي طلب تطلبه مني. "
التزم الشاب الصمت لدقائق ثم هتف باستحياء:
هل تقبلين الزواج بي أيتها الجميلة ؟ساكون لك زوجا و أبا و أخا و لن أدخر جهدا لاسعادك. "
وافقت عائشة للتو. واشترطت عليه أن يعيشا معا في كوخها. ليعمرا هذه البساتين الشاسعة ؛على أمل ان يعود أخوها يوما ليجدها بانتظاره.
مرت الأعوام. وهما يعيشان سعادة لا نظير لها. ازدادت حين رزقهما الله بتوأم؛
ولدان اجتهدا في تربيتهما.و لم يكن يقض مضجعها غير تفكيرها الدائم في أخيها. و كان أشد ما يؤلمها؛انقطاع اخباره عنها..
أما هو فقد عانى الأمرين في غيابها. و فقد رغبته في الحياة. و سيطر عليه الهم والغم. .لقد كان يظن يوم فارقها؛أنه تحرر من قيدها. و ارتاح من سيطرتها؛ كما كانت تقول له زوجاته الغيورات.إلا أن اشتياقه و فقده لها ما انفك يتنامى. رغم كل محاولاتهن التأثير عليه ليكفر باسمها و يبغضها.
ذات يوم؛عاد علي إلى القصر باكرا.على غير عادته؛ فسمع إحدى زوجاته تقول لضرتها:"الحمدلله الذي ألهمك فكرة بيضة الثعبان التي بلعتها "عائشة " فتخلصنا منها.و إلا لكانت أقنعت أخاها الغبي بتطليق إحدانا .ليتزوج بأخرى.
نتيجة غرورها الذي أعمى بصيرتها عن عقمه و عدم قدرته على الإنجاب. "
كاد الرجل يسقط مغشيا عليه من هول الصدمة. و لم يكن يعرف كيف يتصرف ازاء تضارب مشاعر انتابته للتو.فهو لا يعرف إن كان يفرح ببراءة اخته التي احبته بصدق. و اكتفت به عن كل الناس ووهبته ثروتها. أم يحزن على ما فعله بها ؟.
كان يتميز غيظا؛ و هو يفكر كيف يعاقب الشريرات عقابا يناسب جرمهن. فنادى أحد الخدم.و كلفه بإحضار أربعة جياد من شرق البلاد و أربعة أخرى من غربها. و جمع زوجاته فعمد الى تقييدهن. و ربط كل واحدة الى حصانين.و صاح :"يا حصان الغرب غرب و يا حصان الشرق شرق."
و في لمح البصر، تمزقت كل واحدة منهن الى نصفين.
ثم حفر حفرة كبيرة و دفنهن غير آسف عليهن.
امتطى صهوة جواده الأبلق. و انطلق تحت جنح الظلام لا يلوي على شيء. و لا يفكر إلا في إيجاد اخته المظلومة و الاعتذار لها .
حين وصل قرب الكوخ؛كان الفجر قد لاح. فتوجهت "عائشة " الى النهر لتملا جرتها. كعادتها حين استفاقتها كل صباح.
اندهش علي لما وجد أمامه رجلا نائما؛ و بجانبه صغيرين.فوقف غير بعيد عنهم. في انتظار ان ينتبه أحدهم من نومه.اما هي فقد ركضت باتجاهه. حين سمعت صهيل الحصان.و اختلج نبضها. و كاد يفر من بين جوانحها فرحا و غبطة. و هي تراه واقفا كالطود أمامها.
بكى علي و هو يعانقها و اختنقت "عائشة " بعبرات و زفرات لطالما ألهبت جأشها. واحتمت بصدره كعصفورة مبللة بمطر شتاء قاس .
أخيرا جمع شمل أسرتها الصغيرة بأخيها. و اكتملت سعادتها. فرجعت معه الى القصر و عاشت بهناء.
انتهت حكايتنا الاولى في انتظار الحكاية الثانية .
--------
منى البريكي./ تونس
Reactions

تعليقات