القائمة الرئيسية

الصفحات

أجدّف نحوي

"سأجدّف نحوي. فلا تبحثوا عنّي". تلك آخر كلماته قبل أن يغلق باب منزله في وجه الجميع. تعتّق الألم في قلبه حتّى صار خمرة مرّة يتجرّعها في مازوشية لم يعشها من قبل.
عجبا ...! حتّى تلك الحساسين والقطط تفرّ منه، تبتعد عنه بمسافات. الزّهور بحديقته، بحديقة قلبه، تتفتّح في حزن ناكسة ولا تمنحه شذاها، لا تهُبُّ كما تعوّدت لاستقباله بأحضان عبيرها الدافئ. أيُّ صلف أصاب الجميع!
أيُعقل أن يتّخذ الجميع منه موقفا كهذا لمجرّد الشكّ؟ نعم كان في مكان موبوء. نعم كان بين عشرات المصابين، وربّما بين مئات منهم. لكنّه لم يكن يتنزّه، ولم يكن يتعشّق كما يدّعون رغم الكمّ الهائل من الحسناوات المصابات بهذا الفيروس اللّعين. يكاد حين يرى الواحدة منهنّ يرقّ قلبه ويخفق كلّ شيء فيه فينطق بما كانت تقوله والدته حين تصيبه الحمّى صغيرا "يرّاها فيَّ موش فيك".
تذكّر وهو يعطي مصلا لإحدى الفاتنات في المستشفى الميداني "حفّار القبور" في إحدى قصائد السيّاب وهو ينظر برغبة وحسرة ورهبة إلى الجسد الغضّ وهو يُوارى الثّرى ليسأل نفسه بشكل ربّما لم يُذكر صراحة في القصيدة، لكنّه قرأه بين سطورها "هل الدّود أحقّ منّا بهذه الطّراوة وهذه النضّارة وهذا الجمال؟" طرد تلك الذّكرى وعاد إلى نفسه وهو يستند إلى باب المنزل بعد أن أغلقه.
لأوّل مرّة، لا أحد ينظر إليه وهو يتلصّص على نفسه، ويحاول استكناه بواطنها. ما زال يتذكّر كيف كان ينظر إليه بعض النّاس باستغراب في الحافلة أو الميترو عندما تصدر عنه همهمات وهو يغرق عميقا في معانقة نفسه أو محاسبتها أو يعيش معها مغامرة لم يعشها حقيقة. ...
لأوّل مرّة أيضا سوف يُتاح له أن يكتب بصوت عالٍ في هذه المدينة المتوحّشة تلصّصا قبل أن يكتب بلسان القلم.
تعوّد مذ كان طفلا يدرج في قريته الساحلية الوديعة أن يكتب بغزارة قبل أن يتعلّم الكتابة. كان يستنبط حكايات وأقاصيص ومغامرات جرت له أو لأصدقائه. كان يَكْتَذِبُها عليهم أو على أهله. وقد كوَتْه جدّتُه كيّا خفيفا ظلّ يلوح كالوشم في ظاهر اليد لأنّه روى خبرا كاذبا حسب زعمها، وما أدركت أنّه منذ ذلك الزّمن لم يكن يصطنع الحكايات والأخبار والمغامرات. بل كانت تأتيه تَتْرَى كعرائس المروج، فيدخل بها بيت الخيال، ويضاجعها فتنجب له حكاية أو خبرا أو خرافة أو كذبة أجمل منها وما كان يعلم كُنْهَ النّصوص.
أقفرت السّبل وتنمّرت المسافات. لم يشعر بسطوة الانحباس والاحتجار، فطالما احتجر وهو بين النّاس. عندما كان في تلك الجزيرة الحالمة يركب عربة ضخمة وهو ينتقل من حقل إلى آخر في مواسم فلاحيّة مختلفة، كان على خلاف أقرانه لا يحثّ البغل ليسابقهم، ولا ينخسه ليجري ولا يضربه كي يظفر باهتزاز عربة يعشقه الأطفال ويضجّون له. بل كان يستلذّ تمهّل صديقه البغل ويغرق في صياغة حكاياته - وأكاذيبه كما زعمت جدّته وزعم غيرها لاحقا حتّى وقت قريب في هذه المدينة أيضا- وإنضاجها وبناء شبكات العلاقات فيها. كان يستنبط فواعلها ويمزج بين مَنْ يعرف من النّاس وما تعرّف إليه من أبطال الخرافات وما يُسوّله له خياله ممّا تُمعن جدّته في اعتباره كذبا أو حراما أو على الأقل نزقا لا يليق بابن عائلة عريقة.
اليوم في هذه المدينة الصاخبة حيث تغيب الألقاب، وتتيه الهُوّيات، حيث لا يعرفه إلاّ من قذفت به الأنواء أمامه، يغلق بابه، ويُسند ظهره إلى حائط بارد مقرور لا يقلّ صلفا عن هذه الوجوه تفرّ منه وتبتعد بمسافات. لكنّه لا يأبه بذلك، كان دائما كالخطاف، يخرج لشأنه ويعود إلى عشّه محتجرا، منعزلا عن النّاس وإن تواصل معهم. فلماذا يشعر بهذا الضّيم إذن؟ أتراه يشعر بذلك لأنّ أغلب معارفه قد تجاهلوه وهو يعبر الشارع بعد أن نزل من حافلة جاءت به من المشفى الميداني؟ أم تراه يألمُ لأنّه لن يتمكّن من الخروج بعد اليوم من البيت إلى أجل غير مسمّى؟ أم لأنّه لن يتمكّن من انتباذ مقهى قصيّا ومعاقرة شيشته لترقص أوتار قلبه على أنغام قرقرتها كلّما اشتاق إلى نفسه وإلى الحكايات يكتذبُها، وما أكثر ما اكتذب! وما أقل ما دوّن منها! فمن أين كانت تُراها تأتي تلك الحكايات وتلك الخرافات وتلك النّصوص لاحقا؟ خاطب نفسه وقد لسعت برودة الجليز كفَّه وهو يعتمد عليها لينهض مندفعا عساه يتقّوى على الوصول إلى أعمق نقطة في البيت: "بفضل سيّدة التّاج سأكتشف من أين تأتي هذه النّصوص"
زوى رأسه بعنف كمن ينفض عنه قشّة أو غبارا أو رذاذ ماء ليطرد هذه الأفكار ويستسلم لنوم عميق. تمّدد على سريره، وضع المحرار في إبطه، سجّل ما أوحى به بعد خمس دقائق على جدول سلّم له للغرض، التقط له صورة بهاتفه، وأرسله في إرسالية مُنصّصا على التاريخ والسّاعة بدقّة كما طُلِب منه تماما حتّى يتمكنّوا من متابعة تطوّر حالته الصحيّة إذا أصابته العدوى. تذّكر قوافل الأصدقاء، وجحافل الزّملاء، ومن أحبّ، وكلّ اللّواتي عرف، وبعض من بكى على صدره، وبعض من عاشر، وبعض من انزوى معنّ حيث يكون الشّيطان ثالث الموجودين. أين هم؟ أين هنّ؟ لا شيء سوى قبض ريح. ذكّره ذلك حكاية "رُبْعُ صديق"، تلك الحكاية التي ضمّنها كتابه الأخير عن حكايات أمازيغية من جزية جربة. تأفّف، ثمّ استدار نحو الحائط البارد يريد النّوم. زوت الغرفة جدرانها، سطعت أنوار لم ير مثلها، اقترب السّقف حتّى خشِي وغطّى رأسه بمخدّة أهدتها له آخر حبيباته، لهج بالمعوذتين، قرأ بعض الأدعية من تضرّعات داوود في مزاميره، ازدادت الأنوار سطوعا باهرا لا يُرى معه شيء ذكّره بإبهار للشّمش أقل من هذا بآلاف المرّات يوم خروجه من السّجن ذات شتاء. ارتفعت جلبة التّسبيح والدعاء، حفّت بسماء الغرفة آلاف الكائنات تطوف حول نور نورانيّ باهر لا يُعرف مداه. رباه .. أفي حضرة الملكوت الأعلى أنا! قرص خدّه الأيمن حتّى أدماه وأحسّ بلزوجة الدّمّ الدافئ بين أصابعه. غير أنّ التّهليلَ هو التّهليلُ، والنّورَ ذاتُ النّور. الصّخب يتعالى، الطّواف يزداد سرعة، الكائنات المتعدّدة الأشكال والألوان والأجنحة، تلك المختلفة في درجات الشّفافية والإبهار تتناسل إلى ما لا نهاية وكأنّ الغرفة كون فسيح لا قرار له. امتقع وجهه، احتم
---------

فتحي بن معمر : كاتب تونسي
متابعة : إيمان المليتي
Reactions

تعليقات