رواية «خطوات الأعمى»: المميزات والهنات
بقلم: علي أحمد عبده قاسم - اليمن
لا يخفى على أحد بأن الرواية عموماً في تطور مستمر فهي تواكب العصر بكل قضايا الإنسان المختلفة مما أدى إلى تنوع النتاج الروائي في مختلف تلك القضايا.
والرواية مثلها كأي جنس أدبي تتطور وتتنوع، إلا أن الرواية أكثر عمقاً في التناول والتطور والانتشار؛ فتحولت من الشكل التقليدي في الاهتمام بعناصر الرواية المعروفة إلى الاهتمام باللغة، فتحولت اللغة إلى شفرات ورسائل في كل سطر، والحبكة إلى شتات وتشظ، وتحول المكان إلى بطل. ولم تقف الرواية عند هذا الحد فاستغلت شبكات التواصل الاجتماعي كتقنية جديدة من تقنياتها، واستعانت بالأفكار على تلك الشبكات والمحادثات والمنشورات وحولتها إلى واقع وأفكار برغم دخول الخيال في تلك الروايات، على سبيل المثال رواية اللبنانية هدى بركات الحائزة على جائزة البوكر ٢٠١٩م "بريد الليل" وغيرها من الروايات العربية.
وإذا تأملنا المنجز الروائي اليمني، فإنه حتى هذه المرحلة لم يستغل التقنية الرقمية أو رواية التقنية الرقمية عدا رواية: (خطوات الأعمى) للقاص نجيب التركي، والتي صدرت عن دار الكتب اليمنية ٢٠٢٦م. وقبل الدخول إلى مميزات الرواية سنعرج على العنوان:
العنوان
جاء العنوان جملة اسمية (مبتدأ وخبر) في «خطوات الأعمى»، والمبتدأ محذوف تقديره (هذه خطوات الأعمى). ومن الملاحظ بأن العنوان يشير إلى اختزال للمضمون، فكأن الرواية خطوات كل أعمى وإن كان أعمى بعينه.
وإذا كانت بالمعنى المعجمي والمجازي تعني "خطوات" هي جمع كلمة "خَطْوة" أو "خُطْوة"، وتعني المسافة بين القدمين عند المشي، أو الحركة الواحدة لرفع القدم ووضعها (اسم مرة من خطا). تُستخدم مجازياً للإشارة إلى الإجراءات المرتبة، المراحل التنفيذية، التقدّم، أو طرق ووساوس الشيطان (خطوات الشيطان).
ومما سبق فإن المعنى يشير إلى الدلالة المجازية؛ فهي الإجراءات التنفيذية لمعالجة "ليان" المصابة بالوسواس القهري من قبل يوسف الذي يعد منقذاً لها حتى يبلغ مرحلة العلاج النفسي لها.
وإذا كانت الجملة الاسمية تدل على الثبات وعدم التغير، فإنها لا تدل بلاغياً على تلك الدلالة فقط، بل انتقلت من الثبات إلى الحركة والتحول، لاسيما والعلاج هو خطوات الغاية منه شفاء المريض أو على الأقل الحد من المرض. الخطوات أيضاً هي محاولة لتفهم المجتمع لحالة المريض نفسياً وتقبل حالته المرضية والتعاطف معها. الأعمى معادل رمزي للطبيب والمريض في آن.
وإذا كان الأعمى يحتاج مرشداً وإلى من يقوده إلى بر السلام ويرشده إلى الطريق الصحيح، فإن المريض لا يختلف عن ذلك الأعمى، فهو يحتاج إلى الرعاية والاهتمام والإرشاد. ومن ذلك: جاء العنوان مكثفاً ومختزلاً لمضامين الرواية.
أهم مميزات الرواية
● الفكرة الجديدة: معاناة المريض النفسي في مجتمع لا يتقبل هذا أو يتعاطف معه، بل ويتعامل معه كإنسان سوي خاصة وأن المرض غير مرئي، بل ربما يشارك المجتمع في رفع مستوى المرض.
● تناول العلاقات: ولأن الرواية والعمل السردي هو تناول العلاقات المختلفة في المجتمع، فقد رسم السارد العلاقة ما بين المريض النفسي والمجتمع بعلاقة متنافرة وأحياناً قاسية تصل حد التحريض في ظل مريض بلا أم. تقول الخالة لأبنائها: (لا أحد يقترب منها، اختفوا جميعا واحدا تلو الآخر). وأيضا ناقشت الرواية تفسير المجتمع للمرض تفسيراً غير علمي بما يشبه الشعوذة. تقول ليان: (سمعت هذه الجمل كثيرا، اقرئي قرآن.. لا تكبري الموضوع).
● التأثير على القارئ: وكل ذلك محاولة من السارد أن يؤثر على القارئ كي يتعاطف مع المريض. تقول ليان: (لا أعرف متى بدأ حتى صار جزءا من يومي.. كان يتمدد بهدوء يهمس بأفكار لا أطيقها، كان يبكي حد الانهيار، اختناق، جسد يطلق إشارات استغاثة) ص٨٦.
● تقنية الرسائل الرقمية: إن أهم ما يميز الرواية تقنية الرسائل الرقمية باعتبارها جرأة كبيرة، خاصة والرسائل تكشف عن خبايا النفس وتنير الأحداث وتعبر عن الرؤى وعن أفكار الشخصية وعلاقتها بالزمن والمكان والأحداث، وهذا يحسب للقاص كجدة وجرأة وخوض تجربة لم تخض غمارها الرواية اليمنية.
● اللغة الشاعرية: ليس فحسب تميزت الرواية بلغة عميقة شاعرية مؤثرة، وإن أثقلت الأحداث بالشاعرية إلا أنها لغة فيها فلسفة وحكمة وأحيانا جاذبة، كمثل: (إن النجاة أحيانا تعني؛ أن تمشي دون أن تسقط) ص٢٧، ومنها أيضا: (سأكتب لا لأشرح، ولكن لأراك محاولة للنجاة).
● الإنسانية: اتصفت الرواية بالإنسانية فجاءت مفعمة بالمواقف الإنسانية، فقدمت شخصية يوسف شخصية إنسانية غايتها مساعدة ليان بعيداً عن الشفقة أو الغايات الأخرى مما أعطى هذه الشخصية عمقاً وبعداً إنسانياً كبيراً. فحين يتحدث يوسف عن نفسه يقول: (الشفقة لا مكان لها هنا؛ الشفقة تهين تسقط الألم إلى مرتبة الإذلال) ص٥٧.
أهم هنات الرواية
وإذا تساءل المتلقي ما هي أهم هنات الرواية؟ فإني أظن بأن أهم الهنات في الرواية ما يلي:
● عنوان "اللامرئي": جاء العنوان الأول في الرواية (اللامرئي) فشدني العنوان، فقلت في نفسي هذه الرواية تحتاج لأكثر من قراءة لاسيما وأن اللامرئي يعني: (ما لا يقع تحت حواس البصر ولا يرى بالعين ويشمل المحسوسات الغائبة والمفاهيم التجريدية). فلم يكن هذا العنوان إلا معادلاً رمزياً للمرض النفسي غير المرئي، فظننت أن العمل يحتاج لكثير من إعمال الفكر حتى أفك شفراته.
● كشف المضامين مبكراً: صرح السارد في أول الصفحات بأنه يحاول الاقتراب من (ليان) بطلة الرواية المصابة بالوسواس القهري، وبذلك التصريح كشف كل مضامين الرواية ولم يترك فرصة للقارئ لأن يكتشف بنفسه فكرة ومضمون الرواية، مما أخل نوعاً ما بالجذب والتشويق ومتابعة قراءة الرواية.
● العنونة الداخلية المفضوحة: جاءت العنونة الداخلية مفضوحة جداً ولم تترك للقارئ فرصة للتفكير، وأحيانا تلك العنونة غير جيدة حتى وهي مفضوحة. ولو استمرت العنونة بالشهور والأيام مثل (الثالث من أغسطس.. سبتمبر) كما جاء في بعض فصول الرواية، لشفع للقاص تلاشي الزمن في أحداث الرواية خاصة وأن ذكر الشهور يعد تلخيصاً زمنياً لكثير من الأحداث.
● غياب التصاعد الدرامي: لا يجد القارئ تصاعداً في الأحداث مطلقاً، فالحبكة تكاد أن تكون مختفية تماماً. ومن يبرر ذلك التلاشي بعنصر الحداثة، فتلاشي الحبكة في الرواية الجديدة قد تفقدها هناك وتجدها في الأحداث الأخرى وتجمع بين خيوطها لتفضي إلى حبكة مكتملة، وهذه الرواية لأكثر من النصف تصف أعراض المرض بلا تصاعد وتحول فتشعر بالملل والرتابة.
● الوصف المباشر: جاء الوصف للأحداث وصفاً يكاد أن يكون معروفاً لدى المتلقي، ولم يترك المرض والمعاناة هي من تتحدث ليحدث نوعاً من الجذب والتشويق ويبتعد بالنص عن الواقعية المحضة.
ختاماً
وفي الأخير الرواية جيدة وبذل فيها القاص جهداً كبيراً، وحاول أن يوصل رسالة، وحاول أيضاً أن يطرق تقنية جديدة وفكرة جديدة ويقدم رسالة اجتماعية لا يلتفت إليها أحد.
العمل المُراجع: رواية خطوات الأعمى الكاتب: علي أحمد عبده قاسم
اترك تعليقا يدل على انطباعك ورأيك بالموضوع