في زمن تتسارع فيه الكلمات حتى تكاد تفقد معناها، تخرج الشاعرة الجزائرية وردة أيوب عزيزي كصوت لا يكتب اللغة… بل يسكنها. صوت تشكل بين طهر البدايات في "سدراتة" وعلوّ التأمل في قسنطينة، ليصوغ تجربة شعرية لا تقف عند حدود البوح، بل تتجاوزها إلى ما يشبه الكشف الداخلي.
في هذا الحوار مع مجلة بويب الثقافية، لا تتحدث وردة عن الشعر بوصفه فنا فحسب، بل بوصفه قدرا، ونداء خفيا، واستجابةً لصمتٍ "صار في القلب صاخبا". هنا تتحول القصيدة من مجرد نص إلى كيان حي، ومن كتابة إلى "هندسة للعاطفة"، حيث يلتقي الحب بالألم، والذات بالعالم، والواقع بالحلم.
إنها تجربة شعرية تصغي أكثر مما تقول، وتكتب بوعيٍ يشبه النجاة، وبروح ترى في الكلمة فعل مقاومة، وفي الشعر محاولة دائمة لـ "تخليد اللحظة" والانتصار على النسيان.
حوار مع الشاعرة والاديبة الجزائرية القديرة وردة ايوب عزيزي
حاورها | سعدون التميمي
كيف تصفين اللحظة الأولى التي شعرتِ فيها أن الشعر ليس مجرد كتابة بل قدر؟
كانت لحظة انخطافا، حيث اكتشفتُ أن اللغة ليست وعاءً بل هي الكيان ذاته. لم يكن الشعر اختيارًا، بل كان اصطفاءً وجدته يسكنني قبل أن أسكنه، كأنني وُلدت وفي فمي "كلمة" وفي روحي " كنز من الشعر"
بين سدراتة وقسنطينة… كيف أثرت الجغرافيا في صوتك الشعري؟
الجغرافيا (سدراتة وقسنطينة):
سدراتة منحتني الطهر الأول والبساطة الملحمية، وقسنطينة عمّقت فيّ "جسور" التأمل وشموخ الصخر. الجغرافيا في صوتي ليست حدوداً، بل هي حوار بين اتساع الأفق وأصالة الجذور.
هل تتذكرين أول قصيدة كتبتها؟ وماذا بقي منها داخلك اليوم؟
القصيدة الأولى:
كانت ارتعاشة قلم في حضرة الوجع الأول. بقي منها ذلك الصدق الخام الذي أحاول استعادته في كل نص جديد؛ فالشعر هو محاولة دائمة للعودة إلى تلك الدهشة البكر.
ألا تسألين.. ألا تسألين..؟
عَنِ الليلِ والصُبْحِ فوقَ الجبين
عن الحزن يسكنني مثل كهفٍ
بصحراء روحي حزينٍ حزين
متى أدركتِ أنكِ لا تكتبين فقط… بل تُصغين لشيء داخلي أعمق؟
الإصغاء للداخل:
حين صار الصمت في قلبي صاخبا، أدركتُ أنني مجرد "صدى" لشيء يتجاوزني. الكتابة ليست فعلاً، بل هي استجابة لنداء خفي يمليه الغياب أو يفيض به الحضور
هل كانت بدايتكِ الشعرية واعية أم جاءت كنوع من النجاة؟
كانت نجاةً بوعيٍ طفولي. لقد كان الشعر هو القارب الذي صنعته من أخشاب الحلم لأعبر به لجج الواقع، قبل أن يتحول مع الوقت إلى "منهج حياة".
تكتبين العمودي والتفعيلة… هل تختارين الشكل أم هو من يختارك؟
القصيدة هي التي تختار رداءها؛ أحيانًا يفرض الإيقاع الخليلي صرامته كنبضٍ كلاسيكي، وأحياناً تختار "التفعيلة" أن تتحرر كتموجات بحر. أنا أسكن القصيدة، وهي التي تختار هيكلها.
ما الذي يجعل قصيدة ما "تنجو" من النسيان برأيك؟
تنجو القصيدة حين تمسّ الجرح الإنساني المشترك، وحين تكون لغتها قادرة على استنطاق الصمت الكامن في صدور الآخرين.
هل ترين أن الشاعر يكتب ذاته أم يكتب العالم من خلال ذاته؟
لا يمكن للشاعر أن ينفصل عن "الأنا"؛ فهي المنبع الأول لكل الصور والأخيلة. حين يكتب الشاعر عن الألم، هو لا يكتب عن الألم كمفهوم مجرد، بل عن ألمه هو. في هذه الحالة، تكون القصيدة بمثابة سيرة ذاتية شعورية، حيث تتحول القصيدة إلى مساحة للبوح وتفريغ الصراعات الداخلية.
في أرقى مستويات الشعر، تذوب الحدود بين الشاعر والعالم. يصبح الشاعر هو "صوت الجماعة" أو "ضمير الوجود". عندما يتحدث عن فقدٍ ما، يشعر كل من يقرأ القصيدة أنها كتبت عنه شخصياً. هنا تتحول ذات الشاعر من ذات فردية إلى ذات كونية تشمل تجارب البشر أجمعين.
الشاعر يكتب ذاته ليتحرر، ويكتب العالم ليفهمه. القصيدة هي الجسر الذي يربط بين عالمين:
العالم الداخلي: المليء بالأحلام والانكسارات.
العالم الخارجي: المليء بالتفاصيل والواقع.
فـ الشاعر الحقيقي لا يكتفي برسم ملامح وجهه في الكلمات، بل يجعل من كلماته نافذة يطل منها العالم على نفسه.
كيف تحافظين على صدقكِ الشعري في زمن الاستهلاك السريع للكلمات؟
الصدق في زمن الاستهلاك:
في عالمٍ يقيس الأشياء ببريقها لا بعمقها، يظل الصدقُ هو الجوهر العاصي على البيع؛ إنه انحيازُ الروحِ إلى فطرتها الأولى، والقصيدةُ التي لا تُكتب لتمجيد العابر، بل لترميم المتصدع فينا خلف أقنعة الترف الزائف.
الصدقُ في زمن الاستهلاك ليس مجرد فضيلة، بل هو فعلُ مقاومة.
الصدق في زمن الاستهلاك هو أن نكتب ونعيش لا لنرضي "السوق"، بل لنرضي تلك المرآة الداخلية التي لا تجامل. هو أن تظل الكلمة ابنة التجربة الحقيقية، لا ابنة الحاجة للظهور.
هل القصيدة عندكِ بناء أم انفعال؟
هي انفعالٌ يتشكّل في قالب بناء. الشعر هو "هندسة العاطفة"؛ تبدأ ببرق الخاطر وتنتهي بصقل الصائغ.
في قصائدك حضور واضح للحب… هل هو تجربة شخصية أم رؤية فلسفية؟
الحب (شخصي و فلسفي):
هو انصهار الاثنين معًا. الحب عندي يبدأ من التجربة الإنسانية الملموسة ليرتقي إلى آفاق كونية وفلسفية، فهو المحرك الأول للوجود.
لماذا يبدو الحب في شعرك أحيانا ممزوجا بالألم؟
الحب والألم:
لأن الحب في أسمى تجلياته هو "مكابدة". الألم هو الثمن الذي تدفعه الروح لتبلغ طهرها، والشعر هو الذي يحول هذا الوجع إلى جمال.
هل تكتبين عن الحب كما تتمنينه أم كما عشته؟
أكتبه كصلاة؛ مزيجاً بين ذكرى ما كان، وأمل ما سيكون، ورؤية ما يجب أن يكون عليه الجمال
ما الفرق بين الحب في الحياة والحب في القصيدة؟
الفرق بين حب الحياة وحب القصيدة:
في الحياة نحب لنحيا، وفي القصيدة نحب لنخلد. حب القصيدة هو "تقطير" للعاطفة من شوائب الفناء.
هل يمكن للشاعرة أن تنفصل عن عاطفتها أثناء الكتابة؟
انفصال الشاعرة عن عاطفتها:
مستحيل فذاتي الشاعرة تكتب بدمها، فإن انفصلت جفّ النص وصار جثة هامدة من الكلمات.
كتبتِ للقدس… كيف يتحول الوجع الجمعي إلى نص شعري؟
القدس والوجع الجمعي:
القدس ليست قضية سياسية بل هي "جرحٌ ميتافيزيقي". أكتب عنها كأنها جزء من جسدي، فالوجع الجمعي يتحول إلى نص حين يشعر الشاعر أنه هو "الوطن" وهو "المنفى".
هل ترين أن الشعر قادر فعلاً على مقاومة النسيان؟
إن السؤال عن قدرة الشعر على مقاومة النسيان يلمس جوهر الوظيفة الوجودية للأدب. فالشعر ليس مجرد رصف للكلمات، بل هو محاولة لـ "تخليد اللحظة" وجعل العابر ثابتًا.
عندما يكتب الشاعر عن الفقد، أو الانتظار، أو حتى تفاصيل صغيرة في حياته، فهو ينقل الشعور من "الخاص" إلى "العام". الشعر يحول الوجع الفردي إلى تجربة إنسانية مشتركة؛ فقصيدة رثاء كتبت قبل مئات السنين لا تزال تبكينا اليوم لأنها لم تحفظ "الحدث" فحسب، بل حفظت "النبض" الذي كان وراءه.
يقول النقاد إن "الكتابة هي انتصار على العدم". الشعر يمنح الأشخاص والأماكن عمرًا ثانيًا. الكثير من المدن التي اندثرت، والوجوه التي غابت، لا تزال حية في ذاكرة البشرية فقط لأن شاعرًا ما قرر أن يحبس جمالها أو مأساتها في بيت شعر.
الشعر هو "ديوان العرب" وهو ذاكرة الشعوب؛ فهو لا يقاوم النسيان فحسب، بل إنه في كثير من الأحيان يعيد صياغة الماضي ليصبح جزءا لا يتجزأ من الحاضر. لولا الشعر، لكانت مساحات شاسعة من المشاعر الإنسانية قد طويت في طي الكتمان والنسيان.
ماذا تقول وردة أيوب عزيزي للقدس بعيدا عن القصيدة؟
كلمة للقدس:
أقول لها: أنتِ بوصلة القلب، وقبلة القصيدة، وملاذنا الأخير حين تضيق بنا الأرض.
هل الكتابة عن القضايا الكبرى مسؤولية أم اختيار؟
القضايا الكبرى:
هي مسؤولية تأتي في ثوب اختيار. الشاعر الحقيقي لا يهرب من واقعه، بل يواجهه بشجاعة الكلمة.
هل تغيرت نظرتكِ للوطن مع مرور التجربة؟
نظرتي للوطن:
تحول الوطن من "تراب وحدود" إلى "فكرة وقيمة". صار الوطن هو اللغة، وهو المبدأ الذي لا يتغير رغم تغير الوجوه.
يظهر في أعمالك بُعد صوفي واضح… هل هو خيار جمالي أم تجربة روحية؟
البُعد الصوفي:
هو تجربة روحية قبل أن يكون خيارًا جماليًا. الصوفية عندي هي السفر في "باطن الأشياء" بحثا عن الجوهر.
ماذا تعني لكِ كلمة "عشق" خارج معناها العاطفي؟
العشق:
هو الفناء في الجمال، والارتقاء بالنفس من سجن "الأنا" إلى رحابة "المطلق".
هل الشعر طريق للمعرفة أم للنجاة؟
هو معرفة تقود إلى النجاة. لا نجاة بلا وعي، والشعر هو المصباح الذي ينير عتمة المجهول.
كيف تلتقي الشاعرة داخلكِ مع "الدرويشة" التي تكتبين عنها؟
الشاعرة والدرويشة:
تلتقيان في نقطة "الزهد بالزائل والتعلق بالباقي". الدرويشة هي التي تمنح الشاعرة شجاعة التجرد وصدق البوح.
كيف أثرت تجربتكِ الإعلامية على لغتكِ الشعرية؟
التجربة الإعلامية:
منحتني "دقة القنص" في اختيار المفردة، وعرفتني على وجع الناس عن قرب، مما جعل لغتي أكثر قربًا من النبض الحي.
هل ترين أن الإعلام خدم الشاعر أم شوش عليه؟
الإعلام سلاح ذو حدين؛ هو خدم الشاعر حين أخرجه من عزلته ومنحه "منبراً" عابراً للقارات، محولاً القصيدة من مخطوط حبيس الأدراج إلى صوت يصل للآلاف في لحظات. لكنه في المقابل شوش عليه حين فرض عليه "قوانين السوق" وسرعة الاستهلاك.
الإعلام يبحث عن "النجومية"، بينما الشعر يبحث عن "العمق".
التشويش يكمن في محاولة تدجين القصيدة لتناسب الذائقة العامة السطحية، مما قد يفقد الشاعر خصوصيته وتفرده لصالح "التريند".
بين الصحافة والشعر: لغة الخبر ولغة الأثر
رغم أن كلاهما يستخدم الكلمة، إلا أن الفرق بينهما كالفرق بين الخارطة والسفر:
الصحافة: هي لغة "الوضوح والمباشرة"؛ مهمتها نقل الواقع كما هو، والالتزام بالدقة والموضوعية. الكلمة فيها أداة للتنوير والإخبار، وهي محكومة بزمنٍ ينتهي بصدور العدد التالي.
الشعر: هو لغة "التأويل والرمز"؛ مهمته إعادة ابتكار الواقع، والإلتزام بالذاتية والدهشة. الكلمة فيه كيانٌ مستقل، وهي محكومة بالأزلية؛ فالقصيدة لا تموت بمرور اليوم، بل تولد مع كل قراءة جديدة.
الصحافة تقول لنا ماذا حدث، أما الشعر فيقول لنا كيف شعرنا تجاه ما حدث.
ما الفرق بين الكتابة الصحفية والكتابة الشعرية لديكِ؟
الصحافة والشعر:
الصحافة تكتب للآن، والشعر يكتب للأبد. الصحافة تنقل الحدث، والشعر يبتكر الروح الكامنة خلف الحدث.
ماذا تعني لكِ الجوائز: تتويج أم مسؤولية جديدة؟
الجوائز:
هي "محطة استراحة" وتقدير معنوي، لكنها مسؤولية تضاعف من قلق الكتابة والبحث عن الأجمل.
هل يمكن أن تغير الجوائز مسار الشاعر أو صوته؟
تأثير الجوائز:
قد تغيّر "مسار" الضوء المسلط على الشاعر، لكنها لا يجب أن تغيّر "صوته" الداخلي أو بوصلته الإبداعية.
لو خُيرتِ بين أن تُفهمي تماما أو أن تُحسي بعمق… ماذا تختارين؟ ولماذا؟
أختار أن أُحسَّ بعمق. الفهمُ عملية عقلية محدودة، أما الإحساس فهو لغة الروح التي تتجاوز التفسير وتصل إلى جوهر الوجود.
___________________________________________
في ختام هذا الحوار، تبدو وردة أيوب عزيزي شاعرة لا تبحث عن الإجابات بقدر ما تنصت لأسئلتها العميقة. فهي التي اختارت أن "تحس بعمق" بدل أن تفهم فقط، تدرك أن الشعر ليس ترفا لغويا، بل ضرورة وجودية، وأن الكلمة الصادقة لا تكتب لإرضاء السوق، بل لترمم ما تصدع في الداخل.
بين القدس التي تسكنها كـ"جرح ميتافيزيقي"، والوطن الذي تحول لديها إلى فكرة وقيمة، وبين الحب الذي تكتبه كصلاة، تظل تجربتها شهادة على أن الشعر قادر رغم كل شيء على مقاومة النسيان، وعلى منح الحياة معنى أبقى.
هكذا تمضي وردة في موكبها الشعري، لا ككاتبة فقط، بل كصوت يحمل وجع الإنسان وجماله معا، ويحول اللغة إلى بيت للروح، وإلى أفقٍ مفتوح لا تحدّه حدود.

اترك تعليقا يدل على انطباعك ورأيك بالموضوع