📁 أخر المشاركات

اللغة كجسر للحرية - محمد عبدالله عبدالله أبكر

 


اللغة كجسر للحرية:

الروائي/ محمد عبدالله عبدالله أبكر 

عازف المندولين الحزين في زقاقٍ ضيق بمدينة خشم القربة، حيث يختلط غبار الأرض بعرق الكادحين، كان أدم يجلس كل مساء فوق صندوق خشبي قديم، لم يكن يملك شيئاً سوى مندولين متهالك وأحلاماً يخبئها تحت قميصه المرقع، كانت ألحانه لا تشبه الموسيقى التي تُبث في الراديو؛ كانت صوتاً للجوعى، وبكاءً خفياً للأمهات اللاتي ينتظرن أبناءً غيبتهم الحروب البعيدة، في تلك اللحظة، لم يكن أدم مجرد عازف، بل كان ذاكرة تمشي على قدمين.

ذات يوم مرّ غريب بالزقاق، يحمل في يده دفتراً وقلماً، توقف الغريب طويلاً أمام أدم، وبدلاً من أن يضع قطعة نقود في قبعته، بدأ يكتب كان يكتب عن تجاعيد وجه آدم التي تحكي تاريخاً من القهر، وعن أصابعه الخشنة التي تخرج أنغاماً رقيقة كالحرير، قال الغريب لآدم: أنت لست وحدك، صرختك هذه ستصل إلى مكان لن يجرؤ الظلم على دخوله، مرت السنوات واختفى آدم في زحام الحياة، لكن لحنه بدأ يتردد في مُدن بعيدة، خلف البحار. 

لقد تحول صوته، بفضل ذلك القلم، من مجرد أنين في زقاق منسي إلى نشيد عالمي يطالب بالعدل، آدم لم يسافر يوماً، لكن وجعه عبر الحدود، وأصبح العالم كله يغني معه لا للظلم.. نعم للحياة، لقد نجح بركة ساكن في أن يكون ذلك الغريب الذي نقل أنين أمثال آدم من أزقة السودان إلى منصات التتويج العالمية، مؤكداً أن الأدب الحقيقي هو الذي ينحاز للإنسان أولاً وأخيراً.

تُعتبر التجربة الروائية للكاتب السوداني عبد العزيز بركة ساكن صرخة في وجه الصمت، حيث نجح من خلال لغته السردية المشبعة بالواقعية السحرية والقسوة العارية في تحويل مآسي المهمشين إلى مادة أدبية استثنائية، لم يكتفِ ساكن بسرد الحكايات، بل جعل من رواياته مثل الجنقو مسامير الأرض، ومسيح دارفور، وثائق إدانة حية ضد الظلم والاستبداد. 

لقد استطاع أن يمنح صوتاً لمن لا صوت لهم، ناقلاً معاناة الإنسان البسيط من أزقة القهر المحلية إلى أرقى المحافل الدولية، إن فوز ساكن بالجوائز العالمية ليس مجرد إنجاز شخصي، بل هو اعتراف دولي بقوة الأدب السوداني وقدرته على ملامسة القضايا الإنسانية الكونية، هذا الحضور يثبت أن الرواية السودانية تمتلك طاقة تعبيرية هائلة تمكنها من تجاوز الحدود الجغرافية، حاملةً معها آمال وطن يطمح للحرية والانعتاق من قيود الحروب والأزمات.

تتميز لغة بركة ساكن بكونها لغة فريدة، تجمع بين البساطة والعمق، وتستخدم السخرية السوداء لتفكيك تعقيدات السلطة والمجتمع، بهذا التميز يظل الأدب هو الجسر الذي يعبر عليه الوجع السوداني ليعانق التضامن الإنساني العالمي، مؤكداً أن الفن يظل أقوى من كل أدوات القمع.

أرائكم عبر البريد الالكتروني: moh66m10@gmail.com

بويب
بويب
تعليقات