في زمنٍ تتسارع فيه الكلمات حتى تفقد أحيانا معناها، يظل هناك من يكتب ليبطئ العالم، ليصغي إلى ما يتوارى خلف الضجيج، وليعيد للغة جوهرها الأول: أن تكون حياة تعاش لا مجرد وسيلة تستعمل. من هذا الأفق، يطل الروائي التونسي امحمّد علي بن منصورة، لا ككاتب يكتفي بسرد الحكايات، بل كصوتٍ ينصت عميقا لأسئلة الإنسان، ويعيد تشكيلها في نصوص تتقاطع فيها التجربة الشخصية مع القلق الوجودي، والهم التربوي مع الرؤية الفكرية.
في هذا الحوار الخاص مع مجلة بويب الثقافية ، نقترب من عوالمه المتعددة: من القسم إلى الرواية، من اللغة كدرس إلى اللغة كقدر، ومن الجرح كمنطلق للكتابة إلى السؤال كأفق لا ينتهي. حوار لا يقدم إجابات جاهزة، بقدر ما يفتح أبوابا للتأمل، ويضع القارئ أمام مرآةٍ يرى فيها نفسه… وربما يعيد اكتشافها.
حاوره | سعدون التميمي
أتذكّر تلك اللحظة لا كحادثة عابرة، بل كاهتزاز داخلي غيّر نظرتي إلى العالم. لم تكن في قاعة درس، بل خارجها، لحظة بدأت استعير القصص من المكتبة العمومية وأطالعها.
في تلك اللحظة، شعرت أنّ اللغة ليست وسيلة للفهم فقط، بل وسيلة للشعور، وأنها لا تُدرّس بقدر ما تُعاش. ثم جاءت الأشعار الأولى التي حفظتها، فكنت كلما رددت بيتا، أحسّ أنني لا أستعيد كلام غيري، بل أكتشف نفسي. وتعمّق هذا الشعور أكثر في كامل مسيرتي الدراسية سواء في المرحلة الثانوية أو المرحلة الجامعية.
أما حين بدأت أجرّب الكتابة، فقد أدركت أن اللغة ليست مادة جامدة، بل هي قدر. وهي التي تختارنا أحيانا، وتورّطنا في قول ما لا يُقال. ومنذ ذلك الحين، لم أعد أتعامل مع العربية كمادّة تدريس، بل كرفيقة حياة، أهرب إليها حين يضيق العالم، وأواجه بها هذا الضيق نفسه.
لم تكن المكنين يوما مجرّد مكان نشأة. بل كانت، وما تزال، طبقة عميقة من تكويني، تسكنني قبل أن أسكنها. وهي تتسرّب إلى نصوصي كما يتسرّب الماء في الجذور، في اللغة، في الإيقاع، في تلك التفاصيل الصغيرة التي لا ينتبه إليها القارئ إلا حدسا، في رائحة الأزقة، وأصوات الناس، وحكايات الجدّات، وحتى ذلك الإحساس الغامض بالانتماء والقلق في آن واحد.
في المكنين تعلّمت أولى تناقضات الحياة من خلال البساطة التي تخفي عمقا، والهدوء الذي يجاور عواصف صامتة. وربما لهذا تميل كتابتي إلى ما هو غير مُعلن، وإلى ما يُحسّ ولا يُقال.
ثم إنّ الذاكرة فيها ليست فردية فقط، بل جماعية، ممتدّة في التاريخ، في الحكايات التي حملتها العائلات، ومنها عائلتي. وهذا الامتداد يجعل المكان يتحوّل في داخلي إلى معنى، لا إلى جغرافيا. لذلك أستطيع أن أقول: أنا لا أكتب المكنين، بل هي التي تكتبني، كلّما حاولت أن أكتب شيئا آخر.
🔴 ما الذي علمك إياه التدريس ولم تستطع الكتابة تعليمه؟
علّمني التدريس ما لا تستطيع الكتابة أن تمنحه، علمني اختبار الإنسان في حضوره الحيّ، لا في صورته المتخيّلة .فحين تكتب، أنت تتحكّم في العالم. تصنع الشخصيات، وتوجّه المصائر، وتعيد ترتيب الفوضى كما تشاء. أمّا في القسم، فأنت أمام كائنات حقيقية، لكلّ واحد منها مزاجه، وجراحه، وأحلامه الصغيرة، وتمرده الصامت. فلا يمكنك أن تختبئ خلف اللغة، بل عليك أن تكون صادقا بما يكفي لتُقنع، ومتّسعا بما يكفي لتحتوي .فالمعرفة ليست ما نلقّنه، بل ما نتشاركه.
كما علّمني التدريس الإصغاء. وهو درس لم أتعلمه من الكتابة إلا متأخرا. ففي القسم، إن لم تُصغِ، تفقد تلاميذك. أمّا في الكتابة، فقد تمضي زمنا طويلا وأنت تظن أنك تقول شيئا، بينما أنت في الحقيقة لا تسمع إلا صوتك.
والدرس الأعمق هو أن الكلمة مسؤولية حين تُقال أمام من يثق بك .ففي كتابة النصّ، قد تُجازف، وقد تُخطئ، وقد تُؤوَّل، لكن في القسم، فإنّ الكلمة قد تبني إنسانا أو تترك فيه ندبة.
لهذا أقول دائما إنّ الكتابة منحتني حريتي، لكن التدريس علّمني حدود هذه الحرية. وجعلني أكثر وعيا بأن اللغة ليست فقط جمالا، بل أمانة.
🔴 متى بدأت الكتابة كضرورة لا كخيار؟
لا أستطيع أن أحدّد لحظة بعينها، لأن التحوّل لم يكن فجئيا. كان أشبه بتراكم صامت، مثل ماء يتسرّب في الصخر حتى يغيّر شكله.
في البداية، كانت الكتابة تجربة ونوعا من اللعب الجاد، أو محاولة لمجاراة ما كنت أقرأه وأعجب به. لكن مع الوقت، بدأت أشعر بأن هناك شيئا في داخلي لا يجد طريقه إلى الهدوء إلا إذا كتب. قلق وأسئلة، وربما نوع من الاختناق الصامت، لا تزول بالكلام العابر.
أذكر جيدا تلك الفترة التي صرت فيها أكتب لا لأُعبّر، بل لأتخلّص. كأنّ الكلمات وسيلة نجاة. حينها فهمت أن الكتابة لم تعد خيارا يمكن تأجيله، بل صارت ضرورة، مثل التنفّس. إذ تستطيع أن تحبسه قليلا، لكنك لا تستطيع أن تلغيه.
ثم جاءت لحظات في الحياة، فيها من الخسارة أو الالتباس ما يجعل الإنسان عاجزا عن الفهم… هناك تحديدا، وجدت نفسي أكتب لأفهم، لا لأقول. ومنذ ذلك الحين، صرت أؤمن أنني لا أكتب لأنني أعرف، بل لأنني أبحث.
لهذا أقول: بدأت الكتابة كخيار، نعم… لكنها استقرّت فيّ كقدر.
🔴 هل كان الطريق إلى الرواية نتيجة وعي، أم صدفة طويلة؟
أميل إلى الاعتقاد أنّ الطريق إلى الرواية لم يكن صدفة خالصة، ولا وعيا مكتمل الملامح. بل كان شيئا بينهما. كان وعيا يتشكّل داخل صدفة طويلة.
ففي البدايات، لم أكن أفكّر في الرواية كجنس أدبي بقدر ما كنت أبحث عن شكل يتّسع لما يضطرب في داخلي. فقد جرّبت الشعر، لأنّه الأقرب إلى نبضي، ولامست الكتابة الوجدانية، لكنني كنت أشعر دائما أنّ هناك فائضا من الحكاية لا يحتمله بيت شعر، ولا تختزله خاطرة.
ومع الوقت، بدأت أكتشف أن الرواية ليست اختيارا تقنيا، بل ضرورة شكل. فحين تتعقّد الأسئلة، وتتعدّد الأصوات، وتتشابك المصائر، لا يبقى أمامك إلا فضاء الرواية الرحب الذي يسمح لك بأن تقول الشيء ونقيضه، وأن تترك الشخصيات تفكّر بدلا عنك أحيانا.
لذلك أستطيع أن أقول: لم أختر الرواية تماما. بل هي التي أخذتني إليها، لكنني لم أقاوم.
🔴 كيف يتعايش داخلك "الأستاذ" الذي يشرح و"الروائي" الذي يُربك؟
أعترف أنّ بينهما توتّرا دائما. لكنه توتّر خلاق، لا صراع مُدمّر. فقد يميل "الأستاذ" في داخلي إلى الوضوح، وإلى ترتيب المعنى، وإلى بناء الجسر بين الفكرة والمتلقي. فهو يؤمن بأن المعرفة ينبغي أن تُقدَّم بشكل يُفهم، وبأن اللغة مسؤولية تربوية قبل أن تكون مغامرة. أما "الروائي"، فهو على العكس من ذلك. يعشق الإرباك، ويثق في الغموض، ويؤمن بأنّ الحقيقة ليست خطا مستقيما بل متاهة. فهو لا يشرح، بل يلمّح، ولا يقدّم أجوبة، بل يضاعف الأسئلة.
يوما ما، كنت أشعر أنّ أحدهما يُربك الآخر. فحين أكتب، يتدخّل الأستاذ ليطالبني بالوضوح، وحين أدرّس، يتسلّل الروائي ليزرع الشكّ في اليقين. لكن مع الزمن، تعلّمت أن أصالح بينهما. فصرت أترك لكلّ واحد مجاله. ففي القسم، أحتاج إلى قدر من النظام، لكنني لا أتخلّى عن حقّ التلميذ في الدهشة. وفي الرواية، أسمح للفوضى أن تتكلّم، لكنني لا أنسى القارئ تماما.
أعتقد أن أجمل ما في الأمر أن كلاهما يُهذّب الآخر. فالأستاذ يمنع الروائي من السقوط في الغموض المجاني، والروائي ينقذ الأستاذ من جفاف اليقين. وهكذا، أعيش بينهما، لا كمن يقسّم نفسه، بل كمن يوسّعها.
🔴 هل شعرت يوما أن التعليم يحد من خيالك أم يغذيه؟
صراحة، شعرت بالأمرين معا، في أوقات مختلفة. ففي بداياتي، كان التعليم يبدو وكأنه سور يحدّ الخيال. برامج جامدة، وطرائق تدريس محددة، وتقييمات تُقيّد حركة الفكر. شعرت أحيانا أنني أسجن نفسي داخل جدول الحصص، وأن الأفكار التي تتوسّع داخلي لا تجد منفذا إلا خارج القسم .لكن مع مرور الوقت، اكتشفت أن التعليم يمكن أن يكون وقودا للخيال، إذا تعاملت معه بوعي. فكل نص قديم أو حديث، وكل قاعدة نحوية، وكل قصة في الأدب العربي كانت كلها بمثابة نافذة تطل على عالم أوسع. وعندما شاهدت التلاميذ يتفاعلّون، ويسألون، وأحيانا يبتكرون أفكارا لم تخطر على بالي. شعرت بأن الخيال يغذّي نفسه من خلال التعليم ذاته.
والدرس الأكبر هاهنا يتمثل في أنّ التعليم لا يقتل الخيال إلا إذا نظرت إليه كسجن، ويغذّيه إذا رأيته مسرحا للتفاعل والتأمل. وربما لهذا السبب، بقيت دائما أحرص على أن يكون فصلي فضاء لا للامتحان فقط، بل لاكتشاف اللامرئي في الكلمات.
🔴 هل تكتب بعين القارئ أم بعين المربي؟
في الحقيقة، لا أستطيع الفصل بينهما تماما، لأن كلا النظرتين تسكناني، لكن بطرق مختلفة حسب السياق. فعندما أكتب للبالغين، أكتب غالبا بعين القارئ. أترك للشخصيات والمواقف أن تتحدّث، وأفتّش عن الإيقاع، عن المتعة والدهشة، عن تلك اللحظة التي يتوقف فيها القارئ ليعيد التفكير. وهنا، يختفي المربي قليلا خلف الروائي، لأنه لا يريد أن يُوجّه، بل أن يُثير، وأن يفتح أبواب السؤال بدل تقديم الإجابة.
أما حين أكتب لليافعين، فيصبح المربي حاضرا بقوة. فأبحث عن القيم، وعن المغامرة التي تعلّم، وعن القصة التي تثير الفضول وتغرس الثقة بالقدرة على مواجهة العالم. لكن حتى هنا، لا أغلق المجال للخيال. فالقارئ يجب أن يجد متعته الخاصة، وإلا تصبح الرسالة جافة، والتربية عقيمة.
لذلك، أعتقد أنني أكتب بعين مزدوجة. أراقب القارئ لأعرف كيف سيعيش النص، وأراقب المربي لأعرف كيف سيستفيد من النص. وفي اللحظة التي يلتقي فيها الاثنان، أشعر بأن الكتابة نجحت.
🔴 ما الذي يخشاه المدرس فيك حين تكتب بحرية؟
يعرف المدرّس في داخلي حدود اللغة، ويعرف مسؤولية الكلمة. ويخشى أن تُفسد الحرية المباغتة الانضباط الداخلي الذي طالما تبنّاه. فحين أكتب بحرية، تتجاوز الأفكار أحيانا حدود التقليد أو المتوقع، فتجد المدرسة نفسها تُستفز. هل هذا النص سيُفهم؟ هل سيُساء تفسيره؟ هل هو مبالغ فيه أو يثير أسئلة لا أعرف كيف أجيب عنها؟
أما الخوف الآخر فأعمق. هو أن تُصبح الحرية تسلية بلا مغزى .أن أكتب فقط لأتمرّد على نفسي، أو لأختبر قدرة القارئ على التحمّل، دون أن يكون للنص أثر حقيقي، أو دون أن يعلّمني شيئا جديدا .لكن هذا الخوف هو في الواقع ما يغذّي الكتابة أحيانا. لأنه يجعلني أوازن بين التمرد والوعي، بين الفوضى المنظمة والحقيقة التي أريد إيصالها. وهكذا، يظل المدرس في داخلي حارسا للحدود، لكنه أيضا صديق للخيال حين يعرف متى يتركه يطير ويحلّق.
🔴 هل سبق أن رأيت نفسك في أحد تلاميذك ككاتب قادم؟
نعم، رأيتُ نفسي في بعض تلاميذي، ولكن ليس بالمعنى المطمئن الذي قد يتبادر إلى الذهن، بل بمعنى القلق الجميل، قلق البدايات الأولى حين يكتشف المرء اللغة كأنها قدره الشخصي. فقد رأيت في عيون قلة منهم تلك الرعشة الخفية أمام الكلمة، وذلك الانتباه النادر لإيقاعها، وكأنهم يلتقطون ما لا يُدرَّس.
لكن، وللأسف، فإن الواقع التربوي في تونس لم يعد حاضنة طبيعية لمثل هذه البذور. نحن نعمل ضمن برامج لم تُطوَّر منذ زمن بعيد. تُعاد صياغتها شكلا وتبقى روحها جامدة، وكأنها تخشى الحياة. ثم نُثقل كاهلها باستيراد نظريات تربوية من وراء البحار تُسقَط إسقاطا، دون اعتبار لخصوصياتنا الثقافية واللغوية، فتبدو في القسم غريبة، باردة، لا تُنبت إلا مزيدا من الاغتراب.
وأشد ما يؤلمني، في هذا السياق، تهميشُ مادة العَروض، وهي التي كانت في زمن غير بعيد مشغلا حقيقيا لتذوق الشعر وصناعته. لقد خرّجت هذه المادة أجيالا كانت تنصت للوزن كما يُنصت القلب لنبضه، أما اليوم فقد أُقصيت، وكأننا نُقصي معها إمكانية أن يولد شاعر من بين مقاعد الدراسة.
ولا يمكن أن نغفل تحوّل العلاقة بين الولي والمربّي. فقد كان الولي سندا، شريكا في التربية، فإذا به في كثير من الحالات ينقلب إلى رقيب سيّئ الظنّ، يُحاسب ولا يُساند، يُشكّك ولا يثق، وهو ما يزيد في إرباك العملية التربوية وإضعاف هيبتها.
ومع ذلك، لا ينطفئ الضوء تماما. فثمّة تلاميذ، قلّة، لكنهم لافتون، استطاعوا أن يحذقوا اللغة بجهد شخصي، خارج إكراهات البرنامج وضيق الأفق المدرسي. وهؤلاء تحديدا أرى فيهم امتدادا ممكنا، لا لي أنا فقط، بل لفكرة الكاتب نفسها، حين تولد رغم كل شيء، لا بفضل البرامج التعليمية ولا طرائق التدريس .
🔴 هل تبدأ رواياتك من فكرة، أم من شخصية، أم من جرح؟
في أغلب الأحيان، تبدأ رواياتي من جرح. لكنه ليس جرحا بالمعنى السطحي، بل هو جرحٌ داخلي عميق، يخصّ شعور الإنسان بالغياب أو الفقد أو السؤال عن المعنى.
هذا الجرح يولّد بداخلي شخصية أو فكرة، حسب ما يفرضه السياق. أحيانا يظهر الوجه أولا، شخصا يبحث عن ذاته، يتخبّط في الفراغ، وعندها تنسج الفكرة نفسها حوله. وأحيانا تأتي الفكرة الأولى، سؤالا وجوديا أو اجتماعيا، ثم أبحث عن الشخصية التي تستطيع أن تحمل هذا السؤال وتختبره .لكنّ الجوهر دائماً هو الجرح، شيء يوقظني ويجعلني أكتب، شيء لا يمكن تجاهله. أكتب لأفهمه، لأرى العالم من خلاله، وربما لأشفى منه جزئيا، أو على الأقل لأمنحه شكلا، لأن الكتابة طريقة لإعطاء الألم قيمة، ولتحويله من شعور صامت إلى تجربة مشتركة مع الآخرين.
لذلك يمكن القول إنّ كل رواية عندي هي رحلة جرح يتحوّل إلى سؤال، وتصير الشخصيات والفكرة أدوات لاكتشافه.
أشياء كثيرة لا أستطيع قولها إلا عبر الرواية، لأنها وحدها تتيح التعددية والعمق والانزياح الرمزي الذي يحتاجه الواقع النفسي والاجتماعي. فعلى سبيل المثال، لا أستطيع التعبير عن تناقضات الإنسان في صراعه مع ذاته ومع العالم من خلال مقالة أو نص قصير. أما الرواية فتسمح لي بأن أضع عدة أصوات، ووجهات نظر، وصمت، وحتى خيالات متناقضة تتصارع على الصفحة.
هناك أيضا الزمن النفسي، الذي لا ينساب خطيّا، ويحتاج إلى مساحة لتتقاطع فيها الذكريات والأحلام والرغبات والخيبات. والرواية تمنحني القدرة على أن أعيش هذا الزمن، وأن أجعل القارئ يعيشه معي.
زيادة على هذا، هناك الحقيقة الغامضة، والمحجوبة، أو المؤجلة، تلك التي لا تقولها مباشرة لأنها أعمق من الكلمات الصريحة. والرواية تسمح لي أن أغمض العينين قليلا، ثم أفتحهما على الواقع عبر مرآة مشوّهة، بحيث يرى القارئ ما لا يمكن التعبير عنه بطريقة مباشرة.
فالرواية هي الفضاء الذي يُسمح فيه للصوت الداخلي بأن يخرج متشابكا، متوهّجا، متناقضا. ويقول ما لا يمكن أن يُقال بأيّة وسيلة أخرى.
🔴 هل تكتب لتفهم العالم أم لتقاومه؟
أحيانا أكتب لأفهم العالم، وأحيانا لأقاومه. وغالبا ما تتداخل المهمتان في نص واحد. فحين أكتب لأفهم، يكون هدفي استجلاء المعنى .فأفتّش عن أسباب الأشياء، وعن دوافع البشر، وعن خبايا الأحداث الصغيرة والكبيرة التي تشكّل حياتنا اليومية. فتصبح الكتابة هنا مرآة، أرى نفسي والآخرين، وأختبر القيم، وأعيد النظر في الثوابت التي آمنت بها.
أما حين أكتب لأقاوم، فالأمر يتعلّق بـرفض ما يفرضه الواقع عليّ وعلى الآخرين، كالظلم، والركود، والقيود الفكرية والاجتماعية، والصمت المقيت. وهنا تصبح الكتابة فعلا تمرّديا، ووسيلة لإيقاظ الأسئلة التي يخشى الناس مواجهتها، أو لتقديم رؤية بديلة لما يسيطر على وعينا الجمعي.
وخلاصة القول، أرى أن الكتابة لا تفصل بين الفهم والمقاومة. فكل مقاومة تولّد سؤالا، وكل سؤال يصبح مقاومة إذا رفضت قبوله ببساطة. لذلك أكتب لأفهم، ولأقاوم، ولأترك للقراء أن يجدوا أمكنتهم بين الاثنين.
🔴 كيف تتعامل مع لحظة الشك أثناء الكتابة؟
لحظة الشك جزء لا يتجزأ من الكتابة. وربما هي اللحظة الأهم في كل نص أكتبه.فعندما أشعر بالشك، أول شيء أفعله هو الهدوء والاستماع. أوقف القلم، وأقرأ ما كتبت، وأستمع إلى صمت الصفحة. فالشك ليس عدوّا، بل هو مؤشر على أنني أقترب من الحقيقة الداخلية للنص أو من عمق نفسي لم أستطع تجاوزه بعد. ثم أتعامل معه بـالصبر والمساءلة .أسأل نفسي هل هذا ما أريد قوله حقا؟ هل أنا أميل للغة التجميل على حساب الصدق؟ هل الشخصية تتصرّف بما يليق بها أم بما يريح قلبي؟ هذه الأسئلة تحوّل الشك إلى أداة، ليس لإيقافي، بل لتقوية النص.
وأحيانا يضطرني الشك إلى الرجوع إلى الجرح أو الفكرة الأصلية التي بدأت منها الرواية، وأحيانا إلى التجربة الحيّة أو الملاحظة الواقعية. وكل هذا يتيح لي إعادة بناء النص بثقة أكبر.
فالشك أثناء الكتابة ليس لحظة ضعف، بل لحظة اختبار، إما أن أقف عندها، أو أسمح لها بأن ترشدني إلى ما هو أعمق، إلى حيث يصبح النص صادقا ومشحونا بالحياة.
🔴 متى تعرف أن النص انتهى… وليس أنك فقط تعبت منه؟
أعرف أن النص انتهى حين يتوقف عن مفاجأتي بنفسه، وليس حين أشعر بالتعب الجسدي أو الذهني. إذ يمكن أن يختلط التعب بالإحباط، أو بالملل من إعادة الصياغة، أو من التدقيق اللامتناهي، لكن النهاية الحقيقية تظهر عندما يصبح كل حرف، وكل جملة، وكل صمت بين السطور في مكانه الطبيعي، بحيث لم يعد هناك شيء يمكن إضافته أو حذفه دون أن يخلّ بالنسق العام للنص.
وقد استخدم وسيلة أخرى، هي أن أقرأ النص بصوت عالٍ، وأستمع إلى الإيقاع، وإلى تدفق اللغة، وإلى وقع الشخصيات. وإذا شعرت بأن النص يتحدث عن نفسه، وأنه قادر على أن يعيش خارجي، عندها أعلم أنني فرغت منه.
فليست النهاية شعورا بالتعب، بل هي شعور بالاكتمال، حين يصبح النص كيانا مستقلا، قابلا لأن يُعاش كما هو، وليس مجرّد مجموعة أفكار على الورق.
🔴 عنوان "المتثائر" يبدو مزيجا بين الثورة والتيه، ماذا تقصد به؟
عبارة “المتثائر” تحمل في دلالاتها المعجمية أبعادا متداخلة، منها التمرد، والصراع، والانفلات من القيود، والثورة والثأر، والتظاهر والتخاذل وحتى التثاؤب...
ومن هذا المنظور، يعبّر العنوان عن رؤية الرواية، فالإنسان أو الفكر الذي ينفصل عن جذوره الثقافية والتاريخية العربية يصبح متثائرا بلا ثمر، أي مثقوبا من الداخل، عاجزا عن البناء أو الإبداع الحقيقي. فبالنسبة إلي، كل فكرة لا تنبع من التربة العربية والوعي بهويتها وقيمها، مهما بدت ثورية أو حداثية، فإنها لن تجد صوابها ولن تثمر.
وهكذا رواية المتثائر، فهي ليست مجرد شخصية مضطربة أو تمرد سياسي، بل هي رمز لكل فكر أو حركة انفصلت عن جذورها، تبحث عن معنى وسط ضياع الاتجاه، ومحاولة مقاومة الواقع دون أن تعرف إلى أين تتجه، مؤكدة على أنّ الحرية الحقيقية والتغيير الحقيقي لا يتحققان إلا عندما يكون الفكر والتمرد مرتبطين بعمق بالهوية والجذور.
🔴 هل بطل الرواية يشبهك في شيء ما، أم هو نقيضك؟
حسين، بطل “المتثائر”، ليس نسخة مني، لكنه يحمل معي بعض النقاط المشتركة في القلق والبحث عن معنى الحياة. كل منا يسعى لفهم العالم، ويسعى للتغيير، لكن الطريقة والمنطلقات مختلفتان تماما.
أعتقد بأنني قد أتيحت لي فرصة الوعي بالجذور والتاريخ والهوية قبل الدخول في أي تجربة فكرية أو سياسية، بينما اقتحم حسين (المتثائر) العالم بعاطفة خام، باليقين الذي منحته له الأفكار اليسارية، دون أن يكون له صمام أمان في الجذور الثقافية التي تؤطر الفهم. لذلك، نراه يغرق في الإحباط بعد الهزائم المتكررة، لأنه لم يكن مستعدا لمواجهة الواقع المعقّد بعد الثورة وحتى قبلها.
فيمكن القول إن حسين يعكس الجانب الذي لم أنحه، ذلك الجانب الذي يميل إلى استيراد الفكرة، ويكتشف حدودها بصعوبة. أما أنا، فربما أكون أكثر تأملًا، وأكثر إدراكًا أنّ أي تغيير لا يثمر إلا إذا انطلق من فهم عميق للجذور والتربة العربية.
فنحن متقاطعان في الأسئلة، مختلفان في الطريق .وهذا هو الفرق الذي يجعل رواية “المتثائر” تجربة حيّة لفهم الصراع بين الحماسة والعقل، وبين الثورة والوعي بالهوية.
🔴 ما السؤال الذي حاولت هذه الرواية طرحه دون أن تقدم له إجابة؟
السؤال الذي حاولت “المتثائر” طرحه دون أن تقدّم له إجابة محددة هو كيف ولماذا نما الفكر التكفيري بعد الثورة، رغم المبادرات اليسارية والفكرية؟
لقد رغبت في أن يكون النص مساحة للتأمل، لا للخلاص السريع. فالرواية لا تأتي بإجابة جاهزة وليست مطالبة بذلك، لأنها تعكس الواقع المركب والمضطرب بعد 2011 وتصوّر انكسارات الحلم، وهشاشة الخطاب، وضياع البوصلة بين الحرية والمسؤولية، وغياب الجذور الفكرية والثقافية القوية.
وترك السؤال مفتوحا يعني ترك القارئ يواجه الأسئلة الكبرى عن الحرية، والهويّة، والسلطة، والدين، والوعي دون أن أفرض عليه حلًّا سحريا. فما تريد الرواية قوله هو نحن أمام ظاهرة عميقة ومعقدة، لا يمكن اختزالها في تفسير واحد، وأن كل فكر، مهما بدا متقدّما، إذا لم يكن متجذّرا في التربة العربية، فلن يثمر سوى مزيد من التشويش والضياع.
فالرواية تناولت الفراغ الفكري بعد الثورة، ونمو التطرف، لكنها لم تعط إجابة نهائية. لأنها تدعونا جميعا للتفكير، وليس للتلقي.
"المتثائر" ليست رواية ردّ فعل، بل هي رواية مساءلة. فلم أكتبها كردّ فعل مباشر على واقعة بعينها، ولا بوصفها صدى آنيا لحدث سياسي أو اجتماعي محدد، بقدر ما كانت ثمرة تراكم طويل من التأمل في تحولات الإنسان داخل واقعنا العربي، وخاصة في اللحظات التي تشتد فيها وعود الخلاص وتغري ببساطتها الظاهرة.
صحيح أن الواقع كان حاضرا بقوة، بما فيه من هشاشة اجتماعية، واختلال في موازين العدالة، وصعود خطابات تدّعي امتلاك الحقيقة الكاملة، لكنّني لم أرد أن أكتب نصا يلاحق الحدث، بل نصا ينفذ إلى ما هو أعمق من الحدث، إلى البنية التي تجعل الإنسان قابلا للانبهار، ثم للانخراط، ثم للانكسار.
"فـالمتثائر" في جوهرها محاولة لفهم تلك اللحظة الدقيقة التي يتحول فيها الإحساس المشروع بالظلم إلى يقين أيديولوجي مغلق، وكيف يمكن لفكرة وُلدت من رحم البحث عن العدالة أن تنقلب، دون وعي، إلى سلطة على الإنسان نفسه.
يمكن القول إن الرواية كُتبت في منطقة التوتر بين تجربتين عايشهما جيلي،
تجربة الإيمان الكبير بالأفكار القادرة على تغيير العالم، وتجربة الخيبة حين يصطدم ذلك الإيمان بواقع أكثر تعقيدا ممّا تسمح به النظريات.
لذلك، لم تكن الكتابة ضد فكرة بعينها، ولا دفاعا عن أخرى، بل كانت دفاعا عن الإنسان حين يُختزل في فكرة، أيًّا كانت هذه الفكرة.
وإذا كان لا بد من تسمية "الواقع" الذي كتبت عنه الرواية، فسأقول إنه واقع الإنسان حين يفقد توازنه بين حاجته إلى العدالة وحاجته إلى المعنى.
من هنا، فليست رواية "المتثائر" احتجاجا على زمن بقدر ما هي محاولة لإنقاذ الإنسان من أن يتحول إلى مجرد صدى لزمنه.
🔴 كيف تغيرت نظرتك للإنسان بعد الانتهاء من هذه الرواية؟
أستطيع أن أقول إنني لم أخرج من "المتثائر" بنفس النظرة التي دخلت بها إليها. فرغم أنّ هذه الرواية كتبت سنة 2014 ونشرت سنة 2026 فإنّني كنت أميل قبل كتابتها، مثل الكثيرين، إلى الاعتقاد بأن الإنسان يمكن أن يُفهم عبر مفاتيح كبرى، تدور في فلك فكرة مركزية، أو انتماء واضح، أو اختيار حاسم يحدد مساره. لكنني، مع التقدم في بناء الرواية حينها، بدأت أكتشف أن الإنسان أوسع من كل اختزال، وأنه كائن مراوغ، لا يستقر في تعريف نهائي .وأدركت أن أخطر ما يمكن أن نفعله بالإنسان هو أن نُحسن الظن ببساطته.
فالإنسان ليس كتلة منسجمة، بل هو توتر دائم بين ما يؤمن به وما يعيشه، بين ما يرغب فيه وما يخشاه، بين ما يعلنه وما يضمره. وقد بيّنت لي تجربة الكتابة أن هذا التوتر ليس عرضا طارئا، بل هو جوهر الكينونة الإنسانية.
كما تغيرت نظرتي إلى مسألة "التحول". فلم أعد أراه انتقالا حادا من ضفة إلى أخرى، بل أراه مسارا بطيئا، مترددا، مليئا بالارتدادات والالتباسات. والإنسان لا يتغير لأنه اقتنع فقط، بل لأنه يتعب من يقينه أحيانا. والأهم من ذلك، أنني أصبحت أكثر حذرا من الأحكام النهائية. لم يعد يغريني أن أصف شخصا بالضال أو المهتدي، بالواعي أو المخدوع، لأنني رأيت، من خلال الشخصيات، كيف يمكن للإنسان أن يكون كل ذلك في الآن نفسه، أو على الأقل في لحظات متعاقبة من حياته.
علمتني رواية "المتثائر" أن الإنسان لا يُقاس بمرحلة واحدة من مساره، بل بمجموع توتراته، وبقدرته على مراجعة نفسه، حتى وإن جاءت هذه المراجعة متأخرة ومكلفة.
لذلك، إن كان عليّ أن أختزل ما تغيّر فيّ، فسأقول إنني أصبحتُ أقل يقينا بالأفكار المستوردة، وأكثر إيمانا بالإنسان ذي الجذور.
🔴 درب العدم" عنوان ثقيل فلسفيا، هل ترى الكتابة مواجهة للعدم أم هروبا منه؟
أعتقد أن الكتابة، في جوهرها العميق، ليست هروبا من العدم بقدر ما هي شكل من أشكال التحديق فيه .فليس العدم فكرة فلسفية مجردة بالنسبة إليّ، بل هو تجربة إنسانية يومية، تتسلل إلى الإنسان حين يفقد المعنى، حين تتآكل الروابط، حين يصبح العالم أقل قدرة على تفسير نفسه. وفي "درب العدم"، لم أرد أن أقدّم العدم كهاوية بعيدة، بل كشيء يسكن في التفاصيل، في العلاقات التي تنهار، في الجسد حين يتحول إلى وسيلة لا غاية، في اللغة حين تعجز عن احتواء التجربة.
من هنا، جاءت الكتابة كمحاولة اقتراب، لا كفعل انسحاب .فنحن لا نكتب لأننا نملك أجوبة، بل لأننا نخشى الصمت. والصمت، في كثير من الأحيان، هو الوجه الآخر للعدم. لكن، في الآن نفسه، لا أنكر أن في الكتابة شيئا من الهروب، ليس هروبا سلبيا، بل هروبا خلاقا. إنها تتيح لنا أن نعيد تشكيل ما يهددنا بالفناء، وأن نحوله إلى نص، إلى معنى مؤقت، إلى أثر قابل للبقاء. فالكتابة لا تلغي العدم، لكنها تؤجله، أو ربما تمنحه شكلا يمكن احتماله.
في "درب العدم"، كان البحر رمزا لهذا التوتر. وهو في آنٍ واحد فضاء للانمحاء وفضاء للتطهر، للغرق وللتحرر. وكذلك هي الكتابة تماما يمكن أن تكون انحدارا نحو الفراغ، ويمكن أن تكون محاولة أخيرة لانتشال المعنى من قلبه.
لذلك، إذا كان عليّ أن أجيب بشكل حاسم، فسأقول إنّ الكتابة ليست مواجهة للعدم ولا هروبا منه، بل هي العيش على حدّه، والقدرة، ولو مؤقتا، على تحويله من نهاية صامتة إلى سؤال مفتوح.
🔴 في كتاباتك لليافعين، كيف توازن بين التبسيط والعمق؟
أما العمق، فهو لا يُقاس بتعقيد اللغة، بل بقدرة النص على فتح أكثر من مستوى للفهم. إذ يمكن لليافع أن يقرأ القصة بوصفها مغامرة مشوّقة، وأن يلتقط منها معنى الأمل والتحدي، بينما يمكن لقارئ أكثر نضجا أن يرى فيها أسئلة حول العلم، والهوية، وحدود الإنسان.
كان هاجسي أن أراهن على ما أسميه "العمق الصامت"، بأن يكون المعنى حاضرا، لكن دون أن يثقل النص، وأن يظل قابلا للاكتشاف مع كل قراءة جديدة.
ثم إنني أؤمن بأن اليافع كائن ذكي، يرفض الوعظ المباشر. لذلك أتجنب أن أكون "معلّما" داخل النص، وأفضّل أن أكون رفيق رحلة. وأطرح الأسئلة، وأخلق المواقف، وأترك له حرية أن يكوّن موقفه.
فالتوازن بين التبسيط والعمق لا يتحقق عبر التنازل عن أحدهما، بل عبر الثقة في القارئ، والصدق في الكتابة. فالكتابة لليافعين ليست نزولا إلى مستواهم، بل صعودا معهم.
🔴 هل الكتابة للأطفال واليافعين أصعب أم أكثر صدقا؟
سأقول دون تردد هي أصعب، ولذلك هي أكثر صدقا. فالصعوبة لا تعود إلى الفئة العمرية في حدّ ذاتها، بل إلى طبيعة القارئ. فالطفل واليافع لا يجاملان النص، ولا يمنحانه فرصة ثانية بدافع المجاملة الثقافية. إما أن يصدّقاه منذ الجملة الأولى، أو أن ينسحبا في صمت. وهذه الصرامة العفوية تضع الكاتب أمام امتحان حقيقي، أن يكون صادقا تماما، أو أن لا يكون.
ففي الكتابة للكبار، يمكن أحيانا أن نختبئ خلف الأسلوب، أو وراء التعقيد، أو داخل طبقات التأويل. أما مع الطفل أو اليافع، فلا شيء يحميك إلا صدق التجربة ونقاء اللغة.
لذلك، كلما كانت الكتابة موجّهة إلى الأطفال واليافعين، كلما كانت أقرب إلى جوهر الأدب نفسه، أن تقول الحقيقة في أبسط صورها وأجملها.
🔴 ما الذي تمنحه لك هذه التجربة ولا تمنحه الرواية للكبار؟
لا يتعلق ما تمنحني إياه الكتابة للأطفال واليافعين بالفعل الإبداعي فقط ، بل بنوع العلاقة التي تنشأ بيني وبين النص من ناحية، وبين الإنسان في بدايات تشكّله من ناحية أخرى.
فهذه الكتابة تعيدني إلى منطقة نادرة، هي منطقة الصفاء الأول. هناك، حيث لم تتصلّب الأحكام بعد، ولم تتحوّل الأفكار إلى قوالب نهائية، وحيث ما يزال المعنى قابلا لأن يُبنى، لا أن يُستعاد فقط.
في الرواية للكبار، أجد نفسي في الغالب منشغلا بتفكيك العالم، بكشف تناقضاته، بتعرية أوهامه. أما في الكتابة لليافعين، فأنا لا أكتفي بالتفكيك، بل أشارك، بقدر ما أستطيع، في البناء .وهذا فرق جوهري.
ثم هناك شيء آخر لا أجده بنفس الكثافة في الكتابة للكبار، هو الدهشة. إذ يتفاعل اليافع مع النص بدهشة حقيقية، غير مروّضة، وغير مشروطة بخبرة قراءة سابقة. وهذا يعيد إليّ، ككاتب، تلك القدرة الأولى على النظر إلى العالم كما لو أنّه يُكتشف للمرة الأولى.
فأستطيع أن أقول إذن إنّ هذه التجربة لا تمنحني فقط قارئا مختلفا، بل تمنحني نفسي بشكل مختلف، شكل أقلّ يقينا، وأكثر فضولا، وأقرب إلى ذلك الطفل الذي يكتب قبل أن يتعلّم كيف يبرّر ما يكتب.
🔴 كيف ترى حال الرواية التونسية اليوم؟
تعيش الرواية التونسية اليوم مفارقة لافتة. فهي، من جهة، أكثر حضورا وانتشارا من أي وقت مضى، ومن جهة أخرى، أقلّ قدرة، في كثير من نماذجها، على أن تطرح الأسئلة العميقة التي تبرّر هذا الحضور.
لدينا وفرة في النصوص، وندرة في المشاريع. فالكثير مما يُكتب اليوم يتحرّك داخل مناطق آمنة، إما استعادة مباشرة للواقع دون مساءلة حقيقية، أو ارتماء في أشكال تجريبية لا تسندها رؤية فكرية متماسكة. كأن الرواية، في بعض الأحيان، صارت تكتب لتُنجز، لا لتُقلق. وأنا أعتقد أن الأدب الذي لا يُقلق لا يبقى.
ثم إن هناك ميلا، في بعض التجارب، إلى استعارة أسئلة ليست نابعة من عمقنا الحضاري والاجتماعي، بل مستوردة في شكلها ومضمونها، دون أن تمرّ بعملية تمثّل حقيقي. وهذا ما يجعل النص يبدو، أحيانا، منفصلا عن تربته، حتى وهو يتحدث عن قضايا محليّة. لكن، في المقابل، لا يمكن أن أنكر وجود أصوات لافتة، تشتغل في صمت، وتحاول أن تبني عالما روائيا حقيقيا، لا مجرد نص عابر. هذه الأصوات هي التي تمنحني الأمل، لأنها لا تنشغل بالظهور بقدر ما تنشغل بالتأسيس.
في تقديري، إنّ ما ينقص الرواية التونسية اليوم، ليس الموهبة، بل الجرأة الحقيقية، جرأة الذهاب إلى الأسئلة المزعجة، جرأة مساءلة المسلّمات، جرأة التحرّر من إغراءات السوق الثقافية السريعة.
فالرواية ليست ترفا، ولا مجرد حكاية، بل هي شكل من أشكال التفكير العميق في الإنسان والمجتمع. وإذا لم تستعد هذا الدور، فإنّها ستظل تدور في فلك الاستهلاك، لا في أفق الإبداع. ومع ذلك، لست متشائما. فكل مرحلة انتقالية تحمل هذا القدر من الالتباس، وربما نحن نعيش مخاضا أكثر منه أزمة. لكن ما سيحسم الأمر في النهاية، ليس كثرة ما نكتب، بل نوعية ما سيبقى.
🔴 هل ما زال للأدب تأثير حقيقي في زمن السرعة الرقمية؟
فالأدب الحقيقي لم يكن يوما ابن السرعة، بل ابن التراكم. لا يعمل في مستوى الانفعال اللحظي، بل في طبقات أعمق، أبطأ، وأكثر رسوخا. قد لا يغيّر رأيا في لحظة، لكنه يغيّر طريقة النظر إلى العالم على المدى البعيد. فما تغيّر هو القارئ، لا الأدب فقط.
فالقارئ اليوم موزّع الانتباه، مهدّد بالتشظي، وهذا يفرض على الأدب تحديا جديدا يتمحور حول كيفية استعادة القدرة على الإمساك بالإنسان في عالم يفلت منه باستمرار.
ثم إن التأثير الحقيقي للأدب ليس كمّيّا، بل نوعيّا. فيكفي أن يغيّر نصّ واحد نظرة قارئ واحد، بصدق وعمق، ليكون قد أدّى وظيفته.
وربما لم يعد الأدب يصنع "الضجيج"، لكنه ما زال يصنع "الأثر". والفرق بينهما هو الفرق بين ما يتلاشى، وما يبقى.
🔴 هل تخشى على اللغة العربية أم تراها تتجدد؟
فاللغة لا تموت حين تُهمَل، بل حين تُختزل .وما دامت هناك كتابة حقيقية، تنبع من حاجة داخلية إلى التعبير، فإن العربية ستظل قادرة على أن تتجدّد من داخلها، لا من خارجها.
🔴 ما الذي ينقص الكاتب العربي اليوم أكثر: الحرية أم الصبر؟
فالكاتب الذي يفتقد الصبر يصبح أسير الانفعال اللحظي، أو تابعًا للرواج الإعلامي، أو محاكياً لأصوات الخارج أكثر من صوت ذاته. الصبر هو ما يمنح النص القدرة على التأسيس، على العُمق، على البقاء بعد الزوال، وهو ما يميز النص الحقيقي عن المنتج السريع .والحرية بلا صبر قد تؤدي إلى كسر قيود العالم الخارجي، لكنها لا تصنع نصاً حياً. أما الصبر فهو ما يحوّل الحرية إلى عمل، والفكرة إلى تجربة، والكلمة إلى أثر.
🔴 ماذا يخفي امحمّد علي بن منصورة عن قرائه؟
فما أخفيه هو الجزء الذي يجعلني إنساناً أكثر تعقيداً من أي شخصية في نصوصي، الجزء الذي لا يصدّق نفسه بسهولة، والذي أحياناً لا أجرؤ على مواجهته إلا بين السطور، حين أكتب. وهذا، في رأيي، هو ما يعطي الكتابة صدقها وعمقها. أن يكون هناك ما يظل مختبئا خلف النص، ليكتشفه القارئ في صمت، أو لا يكتشفه أبداً، لكنه موجود كنبض خفي للحياة نفسها.
🔴 لو مُنحت فرصة كتابة جملة واحدة تبقى بعدك… ماذا ستكتب؟
لو كان لي أن أترك جملة واحدة بعدي، فستكون:
"تسلم الدنيا ويسلم كل من فيها، إذا سلمت عقول الناس من مآسيها."
هي خلاصة ما تعلمته من الكتابة، ومن التأمل في الإنسان والمجتمع.
هكذا يمضي امحمّد علي بن منصورة في الكتابة، لا بوصفها ترفًا ثقافيًا، بل باعتبارها فعلًا وجوديًا، يقف على تخوم الفهم والمقاومة، بين الشكّ واليقين، وبين الإنسان كما هو… والإنسان كما يمكن أن يكون. في نصوصه، لا نجد إجابات نهائية، بل مسارات مفتوحة، وأسئلة تتكاثر كلما ظننا أننا اقتربنا من المعنى.
لعل هذا الحوار لا يُختتم بقدر ما يُترك معلقًا في ذهن القارئ، كما تُترك الرواية الجيدة: أثرا لا يزول بسهولة، وقلقًا جميلا يدفع إلى التفكير. وبين كلمة قيلت وأخرى أُرجئت، يظل الأدب، كما يراه، ذلك الفضاء الذي لا ينقذنا من العدم تماما… لكنه يمنحنا القدرة على مواجهته، أو على الأقل، أن نمنحه معنى.
.jpg)
اترك تعليقا يدل على انطباعك ورأيك بالموضوع