مسيرة الموت:
الروائي/ محمد عبدالله عبدالله أبكر
في تموز عام 1948، لم تكن الشمس مجرد قرص في السماء، بل كانت كرباجاً من نار يلهب ظهراً أثقلته النكبة، في اللد، كانت مآذن الجامع العمري وكنيسة القديس جيورجيوس تودع بصمت سبعين ألف حنجرة بحّت من التكبير والبكاء، كان الحاج أبو إبراهيم يجرّ خطاه الواهنة، وفي عينه نظرة أخيرة لبيته الذي تركه مفتوح الأبواب، وكأن الروح هي التي غادرت الجسد لا السكان الذين غادروا الديار.
خلفه كانت زوجته أم العبد تحمل صرة قماشية صغيرة، وما تبقى من ماء في مطرة صدئة، قبل أن يباغتها جندي ببرود غريب، وينتزع من معصمها سوارها الذهبي الوحيد، ثم يسكب الماء على الأرض أمام عينيها العطشى امشوا نحو الشرق!. هكذا صرخت البنادق، بدأت مسيرة الموت آلاف الأجساد الصائمة في رمضان تترنح فوق الحصى المستعر، لم يكن هناك ظل، ولا رفيق سوى الغبار.
في الكيلومتر العاشر، سقط الطفل خليل من يد أمه، حاولت أن تسقيه من ريقها الناشف، لكن جفاف الحلق كان أسرع، صرخت لكن الصرخة ماتت في حنجرتها لأن الهواء كان ناراً، على حواف الطريق القاحلة، كانت المشاهد تفوق احتمال البشر؛ شيخٌ يتوسد حجرًا بانتظار نهايته، وأمٌّ تضع رضيعها الذي فارق الحياة تحت شجرة سدر يابسة، وتكمل المسير وهي تلتفت خلفها بقلبٍ ممزق، فليس في الأبدان قوة لحفر قبر، ولا في الوقت متسع للوداع.
عندما وصل الناجون إلى مشارف بيرزيت و رام الله، لم يكونوا بشراً، بل أشباحاً غطاها الملح والتراب، كانت اللد والرملة خلفهم قد أُفرغت من سكانها، لكنها امتلأت بحكايا الوجع التي لا تموت، وبقيت جثث الشهداء هناك، شاهدة على طريقٍ لم ينسَ عابريه.
مسيرة الموت في اللد والرملة، حين صار العطش سلاحاً للإبادة في سجلات النكبة الفلسطينية عام 1948، تبرز مأساة مدينتي اللد والرملة كواحدة من أحلك الصفحات الإنسانية، ليس فقط بسبب الفقد والتهجير، بل لبشاعة الأسلوب الذي استُخدم لتفريغ الأرض من أصحابها، في تموز من ذلك العام، وفي ذروة صيف لاهب تزامن مع شهر رمضان المبارك، كُتب على أكثر من سبعين ألف فلسطيني أن يخوضوا ما عُرف تاريخياً بمسيرة الموت.
لم تكن عملية داني مجرد معركة عسكرية للسيطرة على المدينتين الاستراتيجيتين، بل كانت تهدف منذ اللحظة الأولى إلى التطهير العرقي، فبعد المجازر التي ارتكبتها الميليشيات الصهيونية، ومنها مجزرة مسجد دهمش، صدرت الأوامر العسكرية الصارمة بطرد السكان فوراً، لم يُسمح للأهالي بحزم أمتعتهم أو توديع بيوتهم؛ أُخرجوا تحت تهديد السلاح إلى المجهول.
على مشارف المدينتين، نُصبت حواجز لم تكتفِ بسلب اللاجئين أموالهم وحليهم الذهبية التي كانت تمثل تحويشة العمر، بل امتدت يد السلب لتصادر أبسط مقومات البقاء، قوارير المياه في سادية غير مسبوقة، أُجبر الناس على المسير في طرق جبلية وعرة وقاحلة وهم صيام، بلا زاد ولا قطرة ماء، لتتحول الرحلة إلى طريق آلام حقيقي.
تحت شمس يوليو الحارقة، بدأت الأجساد المنهكة تتهاوى، كان الأطفال والشيوخ أول الضحايا؛ جفّت عروقهم وتوقفت أنفاسهم من الإنهاك والجفاف الشديد، يروي الناجون قصصاً تقشعر لها الأبدان عن أمهات اضطررن لترك أطفالهن الموتى على حافة الطريق، وعن أحياء لم يملكوا من القوة ما يكفي لحفر قبر لمحبيهم، فتركوهم في العراء ليكونوا شهوداً صامتين على بشاعة الجريمة.
إن ما حدث في اللد والرملة لم يكن مجرد نزوح قسري، بل كان عملية قتل بطيء وممنهج، سار عشرات الكيلومترات من البشر في طوابير من الأشباح، يلفهم الملح والغبار، ليصلوا إلى مشارف رام الله وبيرزيت وقد فقدوا المئات من أحبتهم في الطريق، تظل مسيرة الموت ذكرى حية لا تُمحى، تذكر العالم بأن إفراغ الأرض لم يكن صدفة حربية، بل كان سياسة مدروسة تهدف لتحطيم الروح الإنسانية قبل الجسد، لتبقى حكاية اللد والرملة جرحاً نازفاً في الذاكرة الفلسطينية والعالمية.
أرائكم عبر البريد الالكتروني: moh66m10@gmail.com
اترك تعليقا يدل على انطباعك ورأيك بالموضوع