📁 أخر المشاركات

إطلالة على كتاب الشاعر الكبير المرحوم محمود بيرم التونسي (1893-1961) بعنوان : "مذكّرات بيرم التونسي في المنفى " - لطفي عبد الواحد

 


إطلالة على كتاب الشاعر الكبير المرحوم محمود بيرم التونسي (1893-1961) بعنوان :

   "مذكّرات بيرم التونسي في المنفى "

      بقلم : لطفي عبد الواحد 

من الكتب التي كانت أصدرتها الدار التونسية للنشر قبل توقّف إصداراتها وأصبح الحصول على نسخة منها نادرا كتاب "مذكّرات بيرم التونسي في المنفى" للشاعر الكبير والصحافي متعدّد المواهب محمود بيرم التونسي المصري الميلاد والتونسي الآباء والأجداد "

هذا الكتاب تضمّن عددا من المذكّرات المتميّزة بأسلوبها السردي القصصي وتعلّقت بفترة المنفى التي قضّاها في فرنسا مبعدا عن بلاده مصر . ويعود تدوين هذه المذكّرات ونشرها في تونس إلى المرحلة الثانية من منفى بيرم إلى بلاد أجداده وهي الممتدة من سنة 1932 إلى سنة 1937 وهي مرحلة خصبة من مراحل نشاطه الاعلامي وإنتاجه الأدبي وفي مقدّمة الكتاب يتحدث صاحب المقدّمة وهو الناشر عن هذه المذكّرات التي كتبها محمود بيرم التونسي قبل التوصل إلى جمعها وإصدارها في كتاب خاصّ بها عن دار النشر المذكورة في سنة 1972 مبيّنا مصدرها وقيمتها فيقول ما يلي :

"ومن بين ما كان ينشره (والحديث هنا عن بيرم) مقالات متسلسلة عن ارتساماته وتجاربه بالمنفى فنشر أولا بجريدة الزمان تحت عنوان "مرسيليا "حلقات عن هذه المدينة فتحدّث عنها حديث من عرفها من الداخل وعاشر أبناءها ولمّا أعاد نشر جريدته "الشباب" بطريقته الخاصّة لم يطنب في الحديث عن مآسيه وآلامه بل كان دائما يفاجؤنا بنظرته الفطنة إلى الحوادث والأشخاص ويبهجنا بفكاهته اللاذعة. فكان لهذه المقالات طابع أدبي ممتاز لولاه لما أقدمنا على نشرها .

وإنّنا نتابع التعريف بأدبنا وجعله في متناول الجميع وسوف يلي هذا الكتاب تآليف أخرى للمرحوم ما تزال مجهولة لدى عامّة القرّاء."

وتُعدّ هذه الطبعة لكتاب "مذكّرات بيرم التونسي في المنفى " من أندر الطبعات وأقدمها ومن ميزاتها أنها جاءت مستقلة دون أن تكون ضمن كتب اوطبعات أخرى كما أنّ عملية جمعها للنشر كانت بالرجوع إلى مصدرها الرئيسي أي جريدة الزمان التونسية التي كان أدارها بيرم في تونس في فترة منفاه الثانية وتكتسي مذكّرات هذا الشاعر والأديب  في المنفى أهمية كبيرة في التعريف بجوانب من سيرته الذاتية وبالأحداث المؤلمة التي عاشها وبما لاقاه في منفاه إلى فرنسا من مصاعب ومتاعب عديدة بالإضافة إلي تلك التي عاشها في مصر قبل إبعاده من السلط الاستعمارية الانقليزية من عنت  وظروف معيشية قاسية جدّا إلى درجة أنّه لم يجد ما يقتاته من الغذاء قبل أن تستقر حاله وتبتسم له الدنيا من جديد إثر عودته إلى بلده الأم مصر للاستقرار بها ومواصلة العيش فيها من جديد محتفظا بشعور الاعتزاز بالانتماء لهذا البلد العظيم الذي ولد فيه وكذلك الاعتزاز  ببلده بلد اجداده تونس وهي التي استقبلته أحسن استقبال وكرّمته واحتضنته عند قدومه إليها. تونس التي ظل محافظا على الانتماء إليها إلى أن غادرها مضطرا تحت ضغط القوى الاستعمارية الفرنسية الغاشمة ليتحصّل في ما بعد وفي أواخر حياته على الجنسية المصرية وينال تكريم الدولة المصرية بقيادة الزعيم جمال عبد الناصر وقد كان حصوله على هذه الجنسية بطلب منه حتّى يضمن مستقبل أبنائه وأحفاده .

وتقديرا منّي لروح هذا العلم الكبير من أعلام الأدب العربي أنشر في ما يلي مذكّرة من مذكّراته المنشورة في هذا الكتاب تحت عنوان الجوع :

الجوع :

اعتدت أن أتناول في كلّ أسبوع شيكا على البنك يرسله مدير الجريدة التي أحرّرها في القاهرة .ولكنّه أخذ يرسل الشيك في كلّ أسبوعين ثم تقدّم خطوة إلى الأمام فجعل يرسله كلّ ثلاثة أسابيع والمبلغ الأسبوعي هو نفسه.

سكنت في حجرة في الدور السابع من أحد المنازل العتيقة أُجرتها ستّون فرنكا في الشهر وفيها كنت أحبس نفسي للكتابة لأمدّ الجريدة بالمواد التي تكفيها كلّ أسبوع.

في الأسبوع الأول من شهر فيفري 1921 اشتدّ البرد وغطّت الثلوج شوارع وسطوح الديار .ووقفت الأشجار مجرّدة من الأوراق كالهياكل العظمية .وقد تناولت الطعام في هذا الأسبوع مرّتين او ثلاثا .وقبل الليلة التي أدوّن فيها هذه الكلمات رقدت بلا عشاء وفي مثل تلك الحال يشعر الإنسان أنّ النوم يغني عن الطعام بعض الغَناء فبقيت في الفراش أنظر من النافذة إلى السماء المكفهرّة ولا أعرف إن كان الوقت ضُحى أو مساء .وكلّما سمعت وقع الأقدام على السلّم حسبتها خطوات ساعي البريد جاء بالخطاب "المسوقر" وعندما سمعت نشيش المقلاة عند جيراني وصعدت رائحة "البيفتيك "يقلى في الزبدة علمت أنّه الظُهر .وخيّل إليّ أنّي لو نزلت إلى المدينة لعثرت على كثير من الأصدقاء الشرقيين الّذين يطلبون العلم ويعيشون في رفاهية فنزلت فرأيت الشوارع خالية من المارّة والمطاعم والقهوات مغلقة على من فيها. وكم ترى عابر سبيل يمشي مسرعا كأنه ذاهب إلى أمر مهمّ وهو في الحقيقة ليس لديه ما يقصده. 

لمحت طالبا مسلما مقبلا على "المادة"التي أسير عليها فلمّا قاربني أدار وجهه ليتفرج على واجهة أحد المحلّات التجارية ولكنها كانت مقفلة بالباب الحديدي !فانتقلت من تلقاء نفسي على "المادة "الأخرى .

وواصلت السير إلى ميدان البلدية وكنت أنبسط لمنظر هذا الميدان الذي يجتمع فيه عشرات الألوف من الحمام الأبيض والأزرق وتذهب إليه الأمهات والمربّيات ومعهن الأطفال الصغار وكميات من الحبوب فيأخذ الطفل الذي لا يتجاوز الثالثة كمية من الحبوب في يديه ويعرضها للحمام فترتفع عن الأرض طائرة بجناحيها وتلتقطها من كفّه بلا خوف ولكن الميدان في ذلك الوقت كان خلوا من الأطفال والحمام. وبينما كنت أتأهّب للرجوع من شدّة البرد قابلت خليطا من الطلبة فيهم المصري والتركي والتونسي فصافحني بعضهم فشعرت بالدفء يسير في جسمي من هذه المصافحة .ولم أستطع النطق بكلمة غير رد التحيّة وكفى.

في الساعة الرابعة بعد الظهر أضاءت مصابيح المدينة وإن كان في حساب أهلها أنّهم في النهار!وما هي التسلية التي يجدها من يجوع ثلاثة أيام إلى أن تحين ساعة النوم .كان منظر "المرقاز"والأجبان والخبز في الحوانيت أجمل وأشهى من منظر المجوهرات والفراء والمنسوجات الفاخرة. لقد كنت أجد نفسي واقفا أمام واجهة الحلواني أتفرج على الفطائر المنقوشة في ذهول ثم أنتبه وأحسب أنّ الناس تراني وتعلم حقيقة أمري فأنصرف خجلا .

للجوع ثلاثة أدوار .

الأول يشتهي فيه الجائع كلّ شيء حتى الحشائش وأوراق الشجر.

والثاني مغص والتواء في الأمعاء.

والثالث غيبوبة وأحلام وهذيان. 

عدت إلى الحجرة فخيّل إليّ أنّ البرد فيها أقسى منه في الشارع.وأوحى إليّ الهذيان أن أستعمل القاعدة المشهورة  : الحاجة أمّ الاختراع وماذا عسى أن يخترع الإنسان؟ألمس بيدي الفراش فأجده طريّا فأحسب أنّ حشوه يصلح للغذاء .هل أبيع البطانية التي أملكها؟ ولكن أين هو المُشتري في تلك الساعة ؟فتحت كلّ "قجر"وقلبت كلّ وسادة لعلّني أجد تحتها قطعة من الخبز أو ما يشبه الخبز .

وقلبت "الكنبة" بحركة عنيفة كالمجنون فلاحت لي بصلة تلمع قشرتها الذهبية تحت النور .

والبصل لذيذ إذا شُوي في النار...

ولكن لا أملك الوقود ولا الثقاب .ولسنا في مدينة شرقية حتى نجد بسهولة الأوراق والأخشاب ملقاة في المزابل أو نجد من نستوقفه ونطلب منه عودا من الثقاب على سبيل المروءة ...

أعددت الوقود من المواد الآتية:

قاموس عربي وفرنسي .

ديوان أبي العتاهية.

عدّة خطابات من الأصدقاء والعائلة .

وحسبت أنّ صاحب المنزل لا يبخل عليّ بالثقاب فقرعت الباب وكانت الساعة التاسعة مساء فخرج كالمنزعج .ولما طلبت إليه عودا من الثقاب أطرق لحظة ودخل ثمّ عاد ومعه عود واحد من النوع الملبّس "بالفوسفور " الذي يوقد بالحكّ على أيّ جسم صلب . ولكنه أبى أن يشتعل على جانب الموقد الحديدي وأنا أحكّه برفق وكياسة وكانت رأسه في كلّ حكّة تَطيرُ جزءا بعد جزء .فقرعت باب الرجل مرّة أخرى فلمّا رآني أطلب عودا آخر لوى وجهه وأغلق الباب بعنف .وكان أحد الجيران في تلك اللحظة صاعدا على السلّم ينظر إلى ما يجري فقدّم لي علبته بحالها.

ارتكزت البصلة العزيزة بين قصائد أبي العتاهية وخطابات سيّد درويش وعبّاس العقّاد وصعد اللهيب من الكانون يدفئ الحجرة وينيرها إلى أن احترقت جميع الأوراق وبحثت عن البصلة فوجدتها قد سقطت من بدء اشتعال النار في أسفل الموقد ولم ينضج منها غير ثوبها الخارجي...

ولكن الدفء وحده في بلد مثل ليون يعد لقمة كبرى .لاسيما مع النوم..


            محمود بيرم التونسي 

"مذكّرات بيرم التونسي في المنفى"

(من الصفحة 39 إلى الصفحة 44)

طبعة الدار التونسية للنشر -1972 -

بويب
بويب
تعليقات