📁 أخر المشاركات

زوايا مظلمة تتوق الي النور | أقصوصة منير الجابري


 

أقصوصة : زوايا مظلمة تتوق الي النور
نظر طوني الي ساعة الكمبيوتر ٠التي أشارت الي الرابعة والنصف صباحا ٠لملم شتاته واردى مطفه الأسود؛ ثم أغلق باب المكتب واستنشق الهواء كأنه يستعيد نشاطه ٠
داهمه ضباب كثيف لف المكان حوله؛ حاملا بين طياته نسمات باردة ٠تسبت بسرعة الي جسده النحيف ٠اسرع الخطي نحو سيارته؛ التي وجدها مغطاة برذاذ خيف؛ صعد وشغل المحرك ثم ماسح الزجاج؛ حتى يرى الطريق ٠
غادر الثكنة "احيانا يجعلنا الضباب نمر لحظات يختفي فيها العالم من حولنا؛ ولا نرى الا أنفسنا"؛ هكذا خاطب نفسه في نفسه وهو يتوغل في المدينة بسرعة منخفضة؛ كي يجد فرصة للاطلاع على شوارعها ٠التي يختلف فيها الشتاء عن كل الأماكن التي عمل بها سابقا ٠فالبرد قاس والضباب يتراكم كل صباح وحبات المطر تكاد لا تغيب عنها ٠ويظل الثلج كاتما على قمم الهضاب و الجبال أثناء فترة الشتاء ٠
بدت له الشوارع شبه خالية من المارة وضجيج السيارات؛ ولازالت أعمدة النور تبعث بنور خافت تتحدى الضباب في تمرد صارخ ٠
بينما طوني يتجول؛ جذب انتباهه بخار يتسلل من إحدى المقاهي القريبة من الطريق؛ يحمل رائحة بن ساحرة؛ فشعر برغبة كبيرة في احتساء فنجان قهوة؛ حتى يطرد ما لم به من تعب جراء عمله طوال الساعات الماضية ٠
همس الي نفسه "لقد كانت دوما حاضرة في تفاصيلي حياتي؛ ولم استطع مقاومة عبق رائحتها"
ركن سيارته وتاهب النزول؛ ظهرت ملامح وجهه في المرإة وقد بدأت تتغلغل فيها التجاعيد ٠فابتسم ابتسامة مرتبكة؛ حين تذكر احتفاله بعيد ميلاده الخامس والأربعين مع اصدقائه في الأسبوع الفارط ٠
تسرب الي المقهى وحدق في أرجائها وهو يبتسم لزبائنها٠
جلس بالقرب من مدفأة؛ التي كانت في تلك اللحظة يخرج منها دخان رمادي؛ فشعر بدفء؛ وهو يستمتع بتقتقة النار؛ كأنها تعزف لحنا جميلا لتشكل لوحة تنبض بالحياة؛ واخترق صمت المكان صدى موسيقى هادئة؛ كأنها خيوط غير مرئية تحاك في نسيج اللوحة ٠ظل الهدوء يؤثث المكان؛ فشعر طوني بحرارة تستشري في أوصاله ٠
اخرج علبة السجائر من جيبه والقى بهاتفه فوق الطاولة ٠
في تلك اللحظة اقبل عليه نادل المقهى وهو يرسل ابتسامة خفيفة وبيده فنجان قهوة؛ لم تفقد رغوتها ٠
اشعل سجارته الأولى وامتص الدخان بقوة؛ وقبل أن يدفع به؛ شد انتباهه رسالة قصيرة ظهرت على شاشة الجوال ٠اطلق العنان للدخان واخذ جرعة من القهوة ثم تفحص الرسالة ٠
فوجدها من صديقته روجينا؛ التي عادت للتوي من بؤر التوتر وهي تنتظر لقاءه بشوق كبير ٠
كانت تلك الرسالة بمثابة جسر التواصل مع العالم؛ حت يطلع على اخر الأحداث ٠فوجد وسائل التواصل الاجتماعي؛ تضج بصور الأطفال والنساء وهم يفرون من هول الحروب ٠التي
زرعت لديهم فوضى عارمة ٠تكرر المشهد وتناثرت،أمامه صورهم؛ فتراكمت في ذهنه كالغيوم المتلبدة ٠لم يستطع تقبل تلك المشاهد ٠فاستسلم لواقع كان أقوى من الخيال؛ انتبه وجع صامت وحزن عميق وشعر بشئ يتمزق داخله ٠
فجأة ومن حيث لا يحتسب ٠تبدأ الآلام تتراكم بصمت ٠فقد مر عليه أكثر من ستة أشهر ولازالت نفس الصور تتكرر؛ تحكي عن الم لا يخف؛ عن معاناة تتناسل كل دقيقة؛ عيون متعبة؛ واجسادا منهكة؛ تبحث عن الأمان؛ تبحث عن جرعة ماء لتطفأ ظمأها؛ تبحث عن طعام لتسد رمقها ٠
فهم قد تاهوا َوسط الفيافي؛ يسيرون حفاة في صحراء قاسية؛ ومن حين لآخر يتربص بهم الموت؛ من سم أفعى ترفل في الرمال؛ او قاطع طريق؛ او حرارة قاسية تجفف الأجساد ٠فاصبح الضياع خبزهم اليومي ولطخ الغبار ملامحهم؛ حين انعكست وجوههم على المرايا المهشمة وهم يبحثون عن نظرة شاردة تعيد الأمور إلى نصابها ٠
فقد تسللت الرطوبة الي جدران بيوتهم؛ اليت تركوا أبوابها نصف مفتوحة؛ فلا توجد خيبة تضاهي التهجير ٠لقد مر عليهم وقت طويل وهم يتطلعون الي نقطة ضوء في أخر النفق؛ علها تنتشلهم من حيرة الأسئلة التي اثقلت قلوبهم
"لماذا زج بنا في الحرب؟ متى ينتهي هذا العنف؟ ومتى نعود إلى ديارنا ٠٠٠؟
عاد طوني الي منزله وأغلق نوافذ الغرفة؛ ثم القى بجسده على الفراش ٠وضع راسه على الوسادة وبقي يبحث عن لحظة سكون؛ الا ان تلك المشاهد ابت ان تمنحه تلك اللحظة ٠
نهض ثم اشعل سيجارة وجلس على منضدة ونظر الي ساعته مرتين في دقيقة واحدة؛ وهو يحرك رجله اليسرى باستمرار ٠
ثم القى السيجارة أرضا وسحقها بحذائه الرياضي وغادر الغرفة؛ وبعث برسالة قصيرة الي روجينا واعلمها انه مشتاق إليها في هاته اللحظات؛ وضرب معها موعدا في المقهى المجاور لشقتها ٠
جلس في زاوية بالقرب من النافذة وبقي يراقب حبات المطر وهي تتدحرج على، الزجاج وابحر في التفكير بعيدا؛ فانفصل عن محيطه ٠الي ان اعاده صوت صوت روجينا؛ حين دخلت الي المقهى وهي تسير بخطوات هادئة؛ وقد وضعت لمسات خفيفة من المكياج ولبست، أجمل ما لديها من ملابس ٠
جلست بعد أن وضعت حقيبتها الجلدية جانبا ونزعت معطفها البني من الكشمير الفاخر ٠فانتشرت في تلك اللحظة رائحة عطرها في ارجاء . التي صنعت حولها هالة من الانوثة الصارخة مم آثار انتباه زبائن المقهى ٠فهي عادت للتوي من بؤر التوتر؛ لأنها تعمل متطوعة لدي الحركة الدولية للصليب والهلال الأحمر ٠كي تقلص من استفحال الأمراض والاوبئة؛ التي تنشرها الكوارث الطبيعية وجحيم الحروب ٠
اقترب طوني من حبيبته وفي عينيه نظرة تفتح نوافذ السعادة ابتسم وقال "لم تغب عني ملامحك المشرقة والساحرة٠٠٠" ٠ضحكت بخفة ليس لان العبارة مضحكة؛ بل لانها شعرت ان كلماته التي تشبه الهمس جعلتها تشعر بالامان
وقالت بصوت خافت "لقد كنت ولازلت دوما تمثل المرفأ الأمن لسفينتي التي لا تهاب الترحال"
نظر إليها نظرة مفعمة بالشوق وقد عجز لسانه ان يصف ما بداخله؛ ثم قال وهو يتطلع الي عينيها الجميلتين بلونهما الأخضر الباهت "اثناء غيابك أصبح الصمت كضباب ثقيل يملأ فراغ جدران مكتبي البيضاء ٠٠٠"
ردت عليه وهي تداعب خصلات شعرها الأشقر الطويل" لقد كان طيف خيالك حاضرا في كل تفاصيلي الصغيرة؛ لانك كنت ولازلت الشخص الأجمل في حياتي ٠٠٠"
بدت على ملامح طوني علامات السرور في ظل وجود روجينا ٠وبدا غضبه يتقلص رويدا؛ رويدا ٠فحياته تغرت منذ اول لقاء بها ٠
حدق طوني في روجينا طويلا ثم اطلق تنهيدة خفيفة؛ رسمت على ملامحه شيئا من الارتباك والقلق؛ فادركت روجينا ان حبيبها يخفي شيئا ما ٠
فحاولت استدراجه حتى تعرف سر قلقه ٠
شيئا فشيئا؛ كشف طوني لها ما يعانيه من ألم من تلك المشاهد؛ فهو لم يتخيل يوما ان العالم لا يحرك ساكنا أمام صدى تلك الصور؛ التي خلفت فوضى وكثير من الألم لدي هؤلاء الأطفال والنساء؛ الذين شردتهم الحرب؛ حيث يعجز الإنسان إلى التطلع إليها ٠مم جعله يهيم في ثنايا متعرجة من الحيرة ٠ولم يدرك يوما ان الحياة يمكن أن تكون بهته القسوة في بؤر التور والحروب ٠
نظرت اليه روجينا بشيء من الشفقة وقالت، "تخلص، من هذا الشعور، وانظر إلى حقائق الأمور ولا تتعامل مع الأحداث؛ كما تظهر في نشرات الاخبار ووسائل التواصل الاجتماعي؛ فهي تمثل قطرة من مياه البحر؛ فقد عشت الواقع المر على عين المكان؛ الحرب مزقت وشوهت كل شيء جميل، لدي هؤلاء الأطفال ٠تحت سطوة الليل تنزل الدرونات حممها وتغيب بسرعة البرق؛ فتجعلهم يذهبون في كل الاتجاهات بلا بوصلة انها التكنلوجيا المتوحشة ٠٠٠"
تطلع طوني في وجه روجينا ونظر إليها استغراب؛ فتناسلت الأسئلة لديه" هل هناك مشاهد مأساوية أكثر مم نشاهده،؟ هل الأمر لا يقتصر على هته الصور؟ هل خلف تلك المشاهد الم أعمق مم نراه؟
"اتعلم يا طوني ان هؤلاء الأطفال والنساء الذين نسفت الحرب منازلهم وجعلتهم لاجئين في اوطانهم؛ هم ضحية النظام العالمي الذي لا تحكمه القيم المعلنة؛ بل المصالح العميقة بدافع الحفاظ على نفوذه ٠٠٠"
رد عليها طوني بعد أن اتخذ م قرارا، واضحا، في قرارة نفسه
"كلامك ازاح الستار، عن الأشياء الصامتة؛ التي تتحكم،في قرارات، الشعوب الضعيفة؛ لذلك اتخذت قراري للتوي وساغادر عملي في الثكنة والنئ بنفسي و الالتحاق بك حتى اسخر حياتي لخدمة هؤلاء الضعفاء

منير الجابري / كاتب تونسي

تعليقات