📁 أخر المشاركات

النداء الأخير - محمد الأمجد العبيدي

 



النداء الأخير
بقلم:محمد الأمجد العبيدي
لم يكفَّ المطر عن الهطول منذ بزوغ الفجر؛ لم يكن صاخبًا ولا عنيفًا، بل كان رتيبًا ثقيلًا، كأنما يصبُّ فوق العالم وقرًا من كمد.
في شقته الموحشة، انزوى "مازن" وحيدًا، مُسمّرًا عينيه في شاشة هاتفه. كانت الساعة تشير إلى الحادية عشرة وسبع وأربعين دقيقة قبيل منتصف الليل.
الشاشة غارقة في عتمتها، لا إشعارات تكسر جمودها، لا مكالمات فائتة، لا شيء سوى صمتٍ مطبق.
طوال اليوم، ظلَّ يترقب اتصالًا واحدًا.. من أمه.
لقد تشاجرا صباحًا؛ شجارا أحمق في جوهره، لكنه حادٌ في أثره. كان 'مازن' متعجّلًا للّحاق بعمله، بينما توسّلت إليه أمه أن يبقى قليلًا ليتناول فطوره.
قالت بصوتٍ يقطر رقة: "لم يعد لديك وقتٌ لي أبدًا". فأجابها بحدّةٍ قاسية: "أنا أبني مستقبلي يا أمي، أنتِ لن تفهمي هذا".
اغرورقت عيناها بالدموع، لكنها آثرت الصمت، بينما غادر هو صافقًا الباب وراءه.
الآن، يربض الشعور بالذنب فوق صدره كحجرٍ صلد. فتح 'مازن' قفل الهاتف مرة أخرى، وانتقل إلى محادثتهما الأخيرة.
"بني، اتصل بي حين تفرغ"، لكنه لم يتصل.
في الخارج، كانت الرعود تجوب السماء بزمجرةٍ مكتومة. فجأة، اهتز الهاتف معلنًا عن اتصال. وثب من مكانه، والنبضات تخبط في صدره بعنف.
المتصل: أمي" التقط الهاتف والكلمات تسبقه: "أمي، أنا آسف، لقد كنتُ مشغولًا و...""
لم يأتِه صوت، بل ضجيجٌ ساكن.. خشخشةٌ غامضة.. ثم أنفاسٌ واهنة. "أمي؟ هل تسمعينني؟"
انسلَّ عبر الهاتف همسٌ مبحوح: "مازن.." بدا الصوت قادمًا من مكان سحيق، صوتًا متهالكًا ومنكسرًا.
"أمي، ما الخطب؟ أين أنتِ؟"
قالت ببطءٍ مجهد: "لم يعد لديّ الكثير من الوقت".
سرى صقيع الخوف في عموده الفقري: "ماذا تقصدين؟ هل أنتِ بخير؟"
"احتجتُ فقط أن أسمع صوتك للمرة الأخيرة".
انقبضت أحشاؤه وصرخ: "توقّفي عن المزاح يا أمي، أنتِ تخيفينني!". انبعثت منها ضحكة واهنة، هي ذاتها الضحكة التي كانت تواري خلفها أوجاعها:
."لقد كنتَ شجاعًا دومًا منذ طفولتك.. حتى حين يتملكك الخوف"
اشتد وقع المطر على النوافذ، فصاح: "أمي، أخبريني ماذا يحدث!". أعقب ذلك صمتٌ طويل، تخلّله صدى بعيد لصوت سيارة إسعاف.
همست: "كنتُ أعبر الطريق.. ولم تتوقف السيارة".
شعر 'مازن' بالأرض تميد تحت قدميه: "لا، لا، لا.. أنتِ بخير، أنا قادم إليكِ الآن!".
قالت بصوتٍ حانٍ: "استمع إليّ يا بني.. لا أريدك أن تلوم نفسك".
انهمرت الدموع على وجنتيه كالمطر: "كان يجب أن أبقى.. كان يجب أن أتناول الفطور معك.. كان يجب أن أتصل بكِ!".
همست برقّة: "الحياة لا تعود للوراء يا بني".
تعالت أصوات صراخ في الخلفية، فاستعطفها: "أمي، أرجوكِ لا ترحلي، أنا أحبك".
قالت في همسٍ أخير: "أنا أحبكِ أكثر من كل شروق شمسٍ رأيتُه في حياتي".
تصاعدت الخشخشة في الخط، وتقطع نَفَسُها: "تذكر.. سامح سريعًا، أحِب بعمق، ولا تدع العمل يسرق منك الأشخاص الذين يعنون لك الكثير".
"أمي! أمي".
"هذا الاتصال هو وداعي لك يا مازن".
"لا، ابقي معي، أنا قادم!".
قالت بسلامٍ عجيب: "لستُ خائفة.. لأنني ربيتُ رجلًا صالحًا".
ثم ساد الصمت. انقطع الاتصال. صرخ باسمها حتى بُحّ صوته، وسقط الهاتف من يديه المرتجفتين.
بعد لحظات، ورد اتصالٌ آخر من رقم غير معروف. "مرحبًا.. نحن من المستشفى، يؤسفنا إبلاغك بأن..." قاطعها بهمسٍ مكسور: "أعرف.. لقد هاتفتني".
سكتت الممرضة قليلًا ثم قالت بهدوء: "يا بني، والدتك فارقت الحياة قبل وصولها إلى المستشفى". تجمّدت الدماء في عروقه: "لكنها تحدثت إليّ للتو! هذا مستحيل!". انقطع الخط.
حدّق 'مازن' في هاتفه؛ كانت الساعة لا تزال تشير إلى الحادية عشرة وسبع وأربعين دقيقة. لم يجد أيّ أثر لمكالمة واردة في السجل، لا تاريخ، لا وقت، لا شيء على الإطلاق.
بقيت فقط رسالتها الأخيرة: "اتصل بي حين تفرغ".
انهار غارقًا في نشيجه. هل كان ذلك حقيقة؟ أم ضغث حلم؟ أم شيئًا وراء حدود الإدراك البشري؟
مرت الأيام، وانتهت مراسم العزاء، وبدت الشقة أقفر مما كانت عليه يومًا. وفي ليلةٍ جافاه النوم، همس في ظلام الغرفة: "أمي.. إن كنتِ تسمعينني.. فأنا آسف".
اهتز الهاتف في يده، وظهرت رسالة جديدة: "سمعتُك.. أنا معك دائمًا".
تلاشت الرسالة بعد ثوانٍ، ولم يظهر لها أثرٌ في السجل مجددًا. لكن السّكينة، ولأول مرة، ملأت قلبه. منذ ذلك اليوم، لم يتجاهل 'مازن' اتصالًا قط، ولم يترك كلمة طيبة حبيسة صدره.
لأن بعض المكالمات لا تأتي مرتين، وبعض الوداع لا يحدث إلا مرة واحدة.

تعليقات