📁 أخر المشاركات

ذاكرة الإبادة التي لا تنسى - محمد عبدالله عبدالله أبكر


 

ذاكرة الإبادة التي لا تنسى

الروائي/ محمد عبدالله عبدالله أبكر


كانت مكجر وادعاً يغفو على صدر وادي تورو، حيث تخضرّ الأرض وتحكي البيوت قصص التعايش بين قبائل دارفور لم يكن سكانها، بملامحهم الكادحة وطباعهم المسالمة، يعلمون أن فجر الخميس، الثالث والعشرين من مارس 2004م، سيتحول إلى ستار أسود يسدل على تاريخ منطقتهم، بدأت المأساة قبل الرصاص؛ حين ضربت مليشيات الجنجويد والقوات النظامية حصاراً محكماً على مكجر ودليج. 

عُزلت المنطقة عن زالنجي ونيرتتي، قُطعت الطرق، وأُطبق الخناق على القرى المحيطة مثل كوجا وكناري، كان التنسيق بين القادة العسكريين والسياسيين في الولاية يمضي بدقة مرعبة، لتحويل هذه البقعة إلى مسرح لجريمة تطهير عرقي ممنهجة، في صبيحة يوم الجمعة، وبينما كان الناس يستعدون للصلاة، انشق صمت الوادي عن دويّ انفجارات لم يألفوها لم تكن مجرد بنادق، بل أسلحة ثقيلة وقذائف هاون استهدفت البيوت الطينية والقشية. 

تحت غبار القصف، اندفعت أسراب المليشيات من كل الاتجاهات، يقودهم حقد أعمى وتنفيذ لخطط وُضعت في غرف القيادة بعيداً عن أعين الضمير، سقط المئات في الساعات الأولى، لم يكن الموت وحده هو الحاضر؛ بل رافقته فظائع يندى لها الجبين، صرخات النساء في ممرات القرية كانت شاهدة على جرائم إغتصاب وحشية إستُخدمت كسلاح لكسر الكرامة، أما الأطفال فقد انتُزعوا من أحضان أمهاتهم ليُساقوا كسبايا في مشهد أعاد للأذهان عصور الرق المظلمة.

لم تكتفِ المليشيات بالقتل، بل عمدت إلى سياسة الأرض المحروقة، أُجبر الآلاف على النزوح قسراً، تاركين خلفهم رماد بيوتهم وتاريخ أجدادهم، ليهيموا على وجوههم نحو زالنجي ونيالا، يحملون في عيونهم انكساراً لا يجبره الزمن، وفي صدورهم أسماء القادة الذين خططوا وأشرفوا على هذه المحرقة، اليوم تمر السنوات ولا تزال محرقة مكجر جرحاً نازفاً في ذاكرة السودان. 

لم تكن مجرد معركة عسكرية، بل كانت حملة انتقائية استهدفت وجود مجتمع مسالم، إن دماء الضحايا الذين سقطوا في وادي تورو، وصرخات الأطفال المشردين، تظل صرخة في وجه العدالة الدولية والمحلية؛ تنادي بأن هذه الفظائع لا تسقط بالتقادم، وأن المحاسبة هي السبيل الوحيد لضمان عدم تكرار مثل هذه المآسي، ستبقى مكجر شاهدة، ليس فقط على بشاعة الجرم، بل على صمود إنسان دارفور الذي يأبى النسيان.

تمرّ السنون وتظل بعض التواريخ محفورة في ذاكرة الشعوب، لا بصفتها أحداثاً عابرة، بل بوصفها ندوباً غائرة في جسد الإنسانية، ومن بين هذه المحطات الأليمة، تبرز مجزرة مكجر مارس 2004م كواحدة من أبشع فصول الإبادة الجماعية والتطهير العرقي التي شهدها إقليم دارفور، غربي السودان، تقع منطقة مكجر ودليج في ولاية وسط دارفور، وهي مناطق تمتاز بجمالها الطبيعي في وادي تورو، حيث تحيط بها قرى ومناطق مثل كوجا، كناري، كاريو، ووارنقا. 

كانت هذه المنطقة، التابعة إدارياً لوحدة أبطأ والقريبة من حاضرة الولاية زالنجي، مجتمعاً مسالماً يعيش على الزراعة والرعي قبل أن تتحول إلى مسرح لواحدة من أخطر الجرائم ضد الإنسانية، في يوم الخميس الموافق 23 مارس 2004م، بدأت فصول المأساة حينما طوقت ميليشيات الجنجويد التابعة لنظام الإنقاذ آنذاك المنطقة بالكامل، تم عزل مكجر ودليج عن محيطهما الجغرافي، لتبدأ في صبيحة يوم الجمعة حملة عسكرية شعواء استخدمت فيها أسلحة ثقيلة وقذائف هاون، وبعض الأسلحة المحظورة دولياً.

لم يكن الهجوم عشوائياً، بل كان انتقائياً يهدف إلى التطهير العرقي والتشفي، أسفرت المحرقة عن قتل المئات من المدنيين العزل بدم بارد، وإرتكاب فظائع شملت حالات اغتصاب جماعي ممنهج، وإختطاف الأطفال واستخدامهم كسبايا ورقيق في مشهد يندى له جبين البشرية، والتهجير القسري لآلاف الأسر نحو زالنجي، نيرتتي، ونيالا، بعد حرق قراهم ونهب ممتلكاتهم، إن ما يميز مجزرة مكجر هو التنسيق التام بين الأجهزة العسكرية والمليشيات.

وتشير التقارير والشهادات التاريخية إلى تورط أسماء قيادية كانت تدير المشهد آنذاك، منهم جعفر عبد الحكم والي غرب دارفور حينها، ومحمد نهيد صالح، وعبد الفتاح البرهان الذي كان قائداً للجيش ومحافظاً لنيرتتي وقتها، بجانب قادة المليشيات مثل موسى هلال وعلي يعقوب وغيرهم، هذا التكاتف بين السلطة الرسمية والمجموعات المسلحة يؤكد أن ما حدث كان سياسة دولة ممنهجة وليس مجرد انفلات أمني.

إن مجتمع دليج ومكجر، الذي عُرف بالسلم والوئام، لا يزال يطالب بالقصاص، إن مرور أكثر من عقدين على هذه الفظائع لا يمحو أثر الجريمة، بل يزيد من ضرورة فتح ملفات التحقيق الدولية والمحلية لمحاسبة كل من خطط، أشرف، أو نفذ هذه المحرقة، وختاماً تبقى مجزرة مكجر تذكيراً دائماً بأن الحقيقة لا تموت، وأن دماء الضحايا في وادي تورو تظل صرخة في وجه الضمير العالمي، تنادي بضرورة إنهاء حقبة الإفلات من العقاب في السودان، وضمان عدم تكرار مثل هذه المآسي الإنسانية مرة أخرى.


أرائكم عبر البريد الالكتروني: moh66m10@gmail.com

تعليقات