سِرُّ الكُرسي البُنّي
محمد الأمجد العبيدي
للطبيعة نداءٌ لا يعترف بالبروتوكولات الطبية؛ وبصفتي طبيبةً مقيمةً تعبثُ الهرموناتُ بجدولها
الصارم، لم تتعلم مثانتي بعدُ مقاومة هذا الاحتياج البشري الغريزي. ست ساعاتٍ مضت والفريق الطبي
يطوف بين الردهات، يُشرحُ المعضلات ويرسمُ خطط علاج لأجسادٍ تترنحُ على حافة العدم، لكن كوبُ عصير
البرتقال الذي شربتُه صباحاً، لا يعنيه أبداً أننا لم نقترب بعد من إنهاء العمل؛ ولا يأبه بخطورة الحالات أو
هيبة القسم. كان عليّ أن أنصرف فوراً.
يُعدُّ قسم العناية الطبية المركزة مكانًا مثيرًا للجدل بالنسبة للعديد من الأطباء المقيمين في السنة الأولى؛
فبالنسبة لبعضهم، هي الغاية المرتجاة، حيث تمنحهم الحالات الحرجة فرصاً وفيرة لإجراء التدخلات الطبية
الدقيقة. أما للبعض الآخر، فهي بؤرة للمخاوف، حيث يكون المرضى في حالة صحية حرجة للغاية أو فاقدين
للوعي بحيث لا يستطيعون التواصل. أما في عين الجمهور، فالعناية الطبية المركزة مكانٌ بارد، يضجُّ
بأجراس الإنذار التي لا تنقطع، وبأحبة يصارعون الموت، وبأطباء بلا أسماء يمرون عبر أبوابها الدوّارة.
تسللتُ مسرعةً من غرفة أحد المرضى واتجهت مباشرة نحو الحمام، وهو الوحيد المخصص للطاقم الطبي في
القسم. كان منزوياً في ركنٍ خلفي، باهتاً بلا لافتة واضحة. من الداخل، كان القحط سيد الموقف؛ فلا معطرات
جوّ ولا مستحضرات تجميل، ولا حتى معقمات يدين. فقط الضروريات: مرحاض، ومرشّ، ومغسلة.. وكرسي؟
توقفتُ مستغربة والماءُ ينسابُ بارداً فوق كفيّ؛ لم يكن شيئاً مميزا، مجرد كرسي معدني بنّي عادي يقبع في
زاوية المرحاض. كان مقعده مهترئاً، وآثار الصدأ ترسم خطوطاً على البلاط المكسور تحت أرجله. تساءلت
مستغربة: لماذا يوجد كرسيٌّ في دورة مياه؟
خلال الأسابيع التالية قضيت وقتي في خضم فوضى قسم العناية المركزة. كنت أتعلم بالممارسة: أُعاين
المرضى. أُتابع نتائج التحاليل. أسحب القسطرة الوريدية. أُعطي الأدوية. استحالت حياتي قائمة مهام لا
تنتهي، تقطعها دروس عابرة من الأطباء والزملاء. كان لهذا الإيقاع الرتيب نوعٌ من العزاء أحياناً؛ فأن تكون
غارقاً في العمل يعني ألاّ تجد وقتاً للشعور بالضغط، أو لتذكر سريرك الفارغ في البيت، أو لتفقد رسائل عائلتك
الصوتية. نسيتُ أمر الكرسي، وتعلمتُ وأد نداءات جسدي، وبدأت أشعر بتبلد الإحساس الناتج عن قلة النوم
وفرط الكافيين.
ثم دخلتْ هي.
دفع الممرض النقالة عبر الرواق، يحيط بها موكبٌ من الشاشات الوامضة والمحاليل المعلقة. استمعتُ إلى
القصة التي تكررت على مسامعي حتى سئمتها: شابة في أواخر العشرينيات، وُجدت ملقاة في منزل صديقتها.
توقف قلبها لعشر دقائق كاملة قبل أن يتمكن المسعفون من إنعاشه مجدداً.
انقبض قلبي؛ إنها في مثل عمري. وتوقف القلب يعني انقطاع الأكسجين عن الدماغ لعشر دقائق. عشر دقائق
هي عمرٌ كامل لخلايا الدماغ. سلطتُ الضوء في عينيها فلم تتحرك حدقتاها. شعرتُ بسحابة سوداء تتبعها إلى
الغرفة. بدأتُ أرتب ملاحظاتي الذهنية: اشتباه في موت دماغي، فحص علامات النشاط العصبي، إبلاغ الطبيب
المناوب. لقد اعتدتُ على البدء بقائمة التحقق. فجأة، رنّ جرس الطوارئ معلناً توقف قلب مريض آخر؛ تركنا
كل شيء وركضنا في الممر.
في صباح اليوم التالي، دخل الفريق الطبي بكامله غرفة الشابة. كانت عائلتها هناك، والأمٌّ تمسك بيد ابنتها
المرتخية. اتجه الطبيب الاستشاري مباشرة إلى سريرها؛ كان قد استمع إلى عرضي للحالة قبل دخولنا، فلم
يتوقف لحظة، بل التفت إلى الفريق، فحص بعض علامات النشاط الدماغي، ثم بدأ يمطرنا بالأسئلة الطبية
قاطعتْهُ الأم قائلة: "معذرةً يا سيدي.."
لم يلتفت؛ بل رفع كفَّه بحركةٍ آلية بَتَرَتْ كلماتها: "عليّ أن أدرّب فريقي، سأكون معكِ بعد دقيقة".
في تلك اللحظة، شعرتُ وكأنّ الهواءّ ينسحب من الغرفة تمامًا. اتسعت عينا الأم، وترقرقت الدموع فيهما، ثم
التفتت إليّ - الوجه الوحيد الذي رأته من قبل- وصرخت بمرارة مزّقت وقارَنا الزائف: "هذه طفلتي! ليست
مادة لدروسكم.. هذه ابنتي".
سقطت الكلماتُ كالمطارق، انسحب الطبيب وتبعناه، تاركين خلفنا رائحةَ القهرِ تملأُ المكان... سمعتُ الأخت
تهمس ونحن نغادر: "بعض الأطباء لم يعودوا يبالون".
لم يكن الهواء خارج الغرفة أقل ثقلاً. تفرق الفريق، ووجدتُ نفسي أشعر بكل شيء كان التعب قد خدّره.
فررتُ إلى الحمام وارتميتُ على ذلك الكرسي وأطلقتُ العنان لدموعي. بكيتُ على الفتاة التي سرق الموت
مستقبلها، وعلى عائلة فقدت ابنتها، وعلى الإدمان الذي يسرق أحلام الشباب والكهول، وعلى التدريبٍ الذي
يجبرنا على التظاهر بأننا لسنا بشراً. على ذلك الكرسي المهترئ والصدئ، وجدتُ مساحةً لأشعر بكل تلك
العواطف التي كبتّها طوال مناوبات العمل الطويلة. لم يكن الكرسي مجرد مقعد، بل كان شاهداً صامتاً منحني
الإذن بأن أكون بشرًا لدقائق معدودة.
تركتُ الكرسي وعدتُ إلى العائلة. أمسكتُ بيد ابنتهم وشرحتُ لهم كل ما نفعله. منحتهم فرصة للسؤال،
وتشاركنا لحظات صمت مفعمة بالتعاطف. لم يكن الأمر مثالياً، لكنه كان بداية. ولأول مرة منذ وقت طويل،
نسيتُ "قائمة المهام".
عانقتني الأم قائلة: "تمنيتُ لو أننا لم نلتقِ قط، لأن ذلك كان سيعني أنها لم تكن هنا أبداً. ولكن بما أننا التقينا،
فأنا سعيدة لأنكِ أنتِ من كانت هنا". أثناء العناق، شعرتُ بجسدي يتصلب للحظة؛ فقد مرَّ أكثر من شهر دون
أن ألمس بشراً بلمسة مودة وتعاطف.
قسم العناية المركزة مكانٌ يجمع بين الرجاء واليأس، مليء بالمعجزات والمآسي التي يفصل بينها ثوانٍ
معدودة. إيقاعها المتسارع لا يترك وقتاً لرفاهية 'تفريغ المشاعر'، ولهذا السبب تحديدا وضعوا ذلك الكرسي
في الحمام. الآن أدركتُ سرَّ ذلك القابع في الزاوية. إنه ليس مجردَ كرسي، بل هو 'مِحطّةُ شحنِ الإنسانية'.
إنه ركنُنا السرّي الذي نشحن فيه أرواحنا لنواصل ترجيح كفة المعجزات. هناك، بعيداً عن صخبِ أجراس
الإنذار وبرودِ المشارط، نخلعُ أقنعةَ القوةِ والتماسك، لنبكي، لنرتجف، ولنتذكر أننا بشرٌ قبل أن نكون أطباء،
ونستعيد تعاطفنا مع مرضانا. الكرسيُ هو المساحةُ الفاصلة بين أن نكون آلاتٍ كفؤة، وبين أن نكون قلوباً
تشعر. إن الاهتمام بأنفسنا بينما نرعى مرضانا توازنٌ يتطلب عمراً لإتقانه، لكني أعتزم الاستمرار في
المحاولة. وسأعودُ لمهامي الآن، ومعي دفءُ عناقِ تلك الأم، وعِلمٌ يقين بأنَّ ذاك الكرسي ينتظرني كلما
شعرتُ أنني أوشكتُ على التحول إلى آلة.. وسأعود إليه دوماً لأستعيد إنسانيتي.

اترك تعليقا يدل على انطباعك ورأيك بالموضوع