كُتّاب خلف القُضبان: أدب السُجون الفلسطيني
بقلم الأديبة: أ. وفاء ميلود ساسي – ليبيا
لم تكن الزنزانة في التجربة الفلسطينية مُجرد فضاء للعُزلة والقهر، بل تحوّلت في كثير من الأحيان، إلى مساحة للكتابة وإعادة تشكيل الوعي. داخل الجدران الضيقة، ووسط القُيود القاسية، وُلد ما يُعرف بـ"أدب السُجون الفلسطيني"، الذي جمع بين توثيق الوجع والبحث عن المعرفة، ليُصبح نافذة يُطل منها الأسير على العالم، شاهدة على قسوة الظروف، وصوتاً للإنسان في أقسى لحظاته.
يمتاز أدب السُجون بالعُمق النفسي، فهو يعكس صراع السجين الداخلي بين الألم والأمل واليأس أحياناً، ويُعدّ شهادة حيّة على القمع السياسي والظلم الاجتماعي، مُعبِّراً عن حجم المعاناة والمُقاومة بأسلوب بلاغي ولغة فنية تُعبّر عن تجارب حقيقية وشديدة الإيلام.
ويُقدّم هذا الأدب صورة واضحة للظروف المعيشية والتعذيب النفسي والجسدي، ويتميز بالعاطفة المُتأججة حيث تتداخل صرخات الألم مع روح التحدي والانتصار، حتى في لحظات الفرح.
أرى أن كل من كتب في السجون يمتلك حسّاً إنسانياً؛ فالإنسان الذي يفتقد الإنسانية لا يستطيع أن يكون كاتباً. الإنسانية هنا ليست مُجرد شعور، بل عُنصر جوهري في الكتابة، إذ تدفع الأسير إلى التعبير عن تجربته وتوثيق صوته الداخلي. فالأسير مُكبّل بالأغلال الحديدية لكنها لا تمنع حريته في الكتابة.
برز في هذا السياق عدد من الكُتّاب الفلسطينيين الذين أنجزوا أعمالهم داخل المُعتقلات، فجعلوا من الكتابة رمزاً للمُقاومة والكرامة ومساحة للتعبير عن التجربة الإنسانية. من بينهم وليد دقّة، الذي كتب أعمالاً فكرية وأدبية مُهمّة، ومؤلفات أبرزها: "صهر الوعي: أو في إعادة تعريف التعذيب"، حيث يُناقش تأثير القيد على الوعي.
و "الزمن الموازي" ورواية "حكاية سرّ الزيت".
في كتاباته، تتقاطع الذات الفردية مع الهمّ الجمعي، ويتحوّل السجن إلى مُختبر للأسئلة الكبرى حول الحرية والهوية.
كما يُعدّ يحيى السنوار، القيادي الفلسطيني الذي كتب روايته "الشوك والقرنفل" أثناء سنوات اعتقاله، من أبرز الأسماء في أدب السُجون الفلسطيني، حيث قدّمت الرواية سرداً أدبياً يتناول التحولات الاجتماعية والسياسية في المجتمع الفلسطيني، معتمدة على البناء الروائي والشخصيات، ما جعل العمل يُقرأ بوصفه رواية أدبية مُتكاملة تتجاوز ظروف كتابتها.
ومن التجارب اللافتة أيضاً تجربة كريم يونس، الذي دوّن خلال اعتقاله الطويل نصوصاً وتأملات فكرية تناولت قضايا الوعي والهوية والواقع السياسي، ومن أعماله كتاب "الواقع السياسي في إسرائيل" وكتاب "الصراع الأيديولوجي والتسوية", حيث قدّم قراءة فكرية لتجربة الأسر ومعنى الصمود في مواجهة محاولات طمس الذات.
أما القيادي والأسير مروان البرغوثي، فقد ألف العديد من الكُتب من داخل سجنه، وتمكن من تسريبها ونشرها خارج السجن، تميزت بطابع النضال وتوثيق التجربة الاعتقالية والسياسية، وأبرزها: "ألف يوم في زنزانة العزل الانفرادي"، "الوحدة الوطنية قانون الانتصار"، "الوعد".
وقد نشر يوم 18 أبريل 2017م، بمناسبة يوم الأسير الفلسطيني مقالاً في نيويورك تايمز، تحدث فيه عن "وحشية الممارسات الإسرائيلية داخل السجون".
تتنوّع أشكال أدب السجون الفلسطيني بين الرواية واليوميات والرسائل والنصوص الفكرية، لكن ما يجمعها هو لغة مشحونة بالمعنى، وصوت إنساني عميق يكتب الألم ليمنحه معنى، لا لاستعراضه.
ولعلّ أبرز ما يُميّز هذا الأدب قُدرته على مُخاطبة القارئ العربي بوصفه شاهداً، إذ يضعه أمام الحقيقة حول الحرية والعدالة الغائبة، ومعنى الإنسان حين يُجرَّد من أبسط حقوقه.
إن "أدب السجون الفلسطيني" ليس أدب ألم فحسب، بل أدب إرادة وبقاء، إذ لم يكتفِ الكُتّاب الذين كتبوا خلف القضبان بتسجيل مُعاناتهم، بل أسهموا في تشكيل وعي ثقافي جمعي، يؤكّد أن الكلمة، حتى في أقسى الظروف، قادرة على أن تبقى مساحة للحرية ونافذة مفتوحة على العالم.
اترك تعليقا يدل على انطباعك ورأيك بالموضوع