بين الصمت والضجيج: رحلة شاعر من "إدري" إلى القلب العربي
| حوار مع الشاعر الليبي هود الاماني
في أقصى الجنوب الليبي، حيث تتجاور الرمال مع ظلال النخيل، وحيث الطفولة تركض حافية بين ألعاب موسمية وزوايا لتحفيظ القرآن وركض الخيل، خرج صوت لا يصرخ… بل ينصت.
من هناك، من "إدري"، بدأ الشاعر هود الأماني رحلته لا ليكتب عن المكان، بل ليحوله إلى وطنٍ داخلي لا يحتاج جواز سفر.
هو شاعر يرى في الكارثة امتحانا لا نهاية، وفي الرمادي مساحة أوسع من الأبيض والأسود، وفي الصمت صديقا أثيرا لا يقل حضورا عن القصيدة نفسها.
قصيدته لا تلوح من منصة، بل تمشي بخفة بين الناس، تنحاز إلى الهدوء العميق، وتهمس حيث يعلو الضجيج، وتقول "لا" حين تكثر البنادق.
في هذا الحوار، لا نقترب من شاعر يكتب فحسب، بل من تجربة تبحث عن جمال حتى في الصفعة، عن أمل حتى بعد الكارثة، عن وطن يصنع بالكلمات حين تعجز الخرائط.
هنا نتتبع أثر الطفولة، وهواجس الصمت، وهندسة المعنى، وعلاقة القصيدة بالقارئ، وبالجنوب، وبالعالم العربي…
حوار مع شاعر يؤمن أن الكوارث لا تكفي لإطفاء القمر من نافذة الروح.
★ ولدت في أقصى الجنوب الليبي، في "إدري بوادي الشاطئ" ، ما الذي لا يعرفه الناس عن الطفولة هناك، لكنه يسكن قصائدك دون أن تسميه؟
كانت الطفولة في إدري طاردة للملل، أحداث ومغامرات يومية، من خلال الألعاب الشعبية الكثيرة والكثيرة جدا، إذ أنه وعلى مدار السنة هناك فترة موسمية لكل لعبة، وفي أحيان كثيرة يكون في الوقت الواحد أكثر من رياضة شعبية، كنتُ أميل إلى الألعاب الفكرية إلى جانب كرة القدم، وكان لركوب الخيل قسم من تلك المرحلة الجميلة، وعلى الصعيد العلمي وإلى جانب الدراسة كان الأطفال يرتادون زوايا تحفيظ القرآن الكريم.
★ هل تتذكر أول جملة شعرية كتبتها؟ وما الذي كان يحدث في حياتك لحظة ولادتها؟
علاقتي بالمحاولات الأولى ليست أفضل شيء، أذكر أنها وجدانية فحسب، ولا أذكرها، كما أنني مصاب بحذف النصوص التي يمر عليها وقت، لا أدري بالضبط هل ذلك بسبب قيمة فنية أو اختلاف رؤيوي عن لحظة ما، أتمنى أن أتخلص من هذه الإصابة قريبا.
★ كيف أثرت دراسة الهندسة في بنائك للقصيدة؟ هل تكتب القصيدة بعقل مهندس أم بروح صوفي؟
حتى دراسة الهندسة لم اكملها بسبب بعض الظروف التي مرت بها البلاد وظروف شخصية أخرى، توقفت بعد أخذ الشهادة الثانوية، أما عن الكتابة فهي "مجموعة الحان" كما يقول محمد عبده، والقصيدة تتسع للأساليب كلها، والقصيدة في نظري أجمل أن تكون حمالة للقيمة الفنية والوجدانية معا.
★ في العزلة الجنوبية، هل كان الشعر خلاصا أم مقاومة أم مجرد صديق صامت؟
لعله محاولتنا لصناعة وطن داخلي، أو ربما أوطان أخرى، لا يحتاج المرء جواز سفر للتنقل فيما بينها، ولا يقال له من أين جئت؟ ولا أين الوجهة؟.
★ لو لم تكن شاعرا ، أي حياة كنت ستختار لنفسك؟
الشطرنج أو الفن التشكيلي، أنا مهووس بهما، ولعلي أتابع بطولات الشطرنج العالمية بما يوازي متابعة المهووسين بكرة القدم، كذلك ألعب الشطرنج، والفن التشكيلي يشدني للغاية.. غير أن يدي تفتقر إلى المهارة.
★ في ديوانك "الكوارث لا تكفي"، لماذا لا تكفي؟ ماذا تبقى بعد الكارثة؟
فلسفة هذه العبارة تتمحور حول أن لا شيء يمكنه إيقاف الإرادة، لا مستحيل في الحياة، كل شيء ممكن بالكثير من الجد والاجتهاد، الكوارث لا تكفي ليفقد المرء الأمل، أتذكر قصيدة مترجمة إلى اللغة العربية نسيت اسم صاحبها تقول:
"دخل السارق ليلا إلى بيتنا وسرق كل شيء، سرق الكراسي والطاولة، سرق التلفاز، سرق كل شيء تقريبا، مكيف الهواء وأثاث المنزل والملابس حتى، لكنه لم يسرق القمر من النافذة.."
★ قصائدك تميل إلى الهدوء العميق أكثر من الصراخ… هل تؤمن أن الهمس أبلغ من الضجيج؟
حين يبتعد الشاعر عن الصخب البلاغي والمباشرة، يصبح النص أكثر شفافية، فيفسح المجال للقارئ أن يشارك في المعنى، الهدوء هنا يولّد مساحة تأمل، لا استهلاكًا سريعًا، الضجيج في الشعر غالبًا يعتمد على الانفعال العالي، بينما الهدوء يعتمد على التركيز والاقتصاد اللغوي، كلمة قليلة في سياق هادئ قد تساوي قصيدة صاخبة كاملة، الشعر الهادئ يُشبه الاعتراف الداخلي، لذلك يكون أقرب إلى الصدق. القارئ يشعر أنه لا يُخاطَب من منصة، بل من قلب إلى قلب.
★ هل تكتب القصيدة كاملة في لحظة، أم أنها تختمر طويلا مثل فكرة مؤجلة؟
في الفترات الأخيرة أكتب النص على مرات متقطعة مدار أيام، أتركه بعدها مدة من الزمن لأعود إليه مشذِّبا مهذِّبا لا بما يفقده المعنى الأول إنما بما يتناسب مع المصداقية الجمالية له.
★ كيف تتعامل مع الصمت؟ هل هو عدو القصيدة أم شرطها الأول؟
الصمت أحد أعز وأحب الأصدقاء، علاقتي به حميمية وبالغة العمق، لدرجة أنني أخرج إلى المقاهي والأماكن العامة بسماعات الأذن لتجنب ما أمكن من الحوارات، الصمت والتأمل أمر روتيني وهما أشبه بالقراءة.
★ هل تبحث عن القارئ وأنت تكتب، أم أنك تكتب لتفهم نفسك فقط؟
القارئ جزء لا يتجزأ من مشروع القصيدة، القصيدة أشبه بالنهر، لها منبع ومجرى ومصب، والمصب هنا هو القارئ، فلو كانت تعكس شيئا منه فقد اخضر غصن داخله أو نما فرع، لكن الاهتمام بالقارئ يكون في المراحل النهائية لتقليمها، بما لا يتقاطع ورسالتها، ذلك حتى لا تخلو القصيدة من حقها في التلقائية والانسياب، ولا ينقص القارئ شيء من الاطلاع على المختلف الغريب، ما لم يتعارض مع الجمال.
★ ما الذي لا تسمح له أبدا أن يدخل نصك؟
النص عمل فني بحث، كل شيء مسموح داخل النص الفني، وليس بالضرورة أن يكون ما في النص حقيقة أو عقيدة يتبناها الشاعر، فلسفتي في الكتابة البحث عن جمال ما، لا مشكلة في أن يكون حتى بصفعة على وجه صديق مقرب.
★ هل تشعر أنك تكتب من أجل زمنك، أم ضد زمنك؟
في الغالب أكتب ضد الأشياء والأحداث في زمني، هو تعبير عن الرفض لا أكثر، هذه الحروب التي تملأ الأرض والدسائس والمكائد، أقل ما يمكنني فعله أو قوله تجاهها "لا" بصوت واضح، وأكتب من أجل الأشياء الجميلة كالأصدقاء والمقاهي والمساء.
★ اهتمامك بالفنون التشكيلية… هل ترى القصيدة لوحة مؤجلة بالكلمات؟
بين الشعر والرسم علاقة عميقة وقديمة، فكلاهما فنّان تعبيريّان يشتركان في الهدف نفسه، نقل الإحساس والمعنى عبر الجمال، لكن كلٌّ منهما يستخدم لغة مختلفة، فالشاعر يرسم بالكلمات، والرسّام يكتب بالألوان، كلاهما يصنع "صورة ذهنية"، يعتمد الفنّانان على الخيال لإعادة تشكيل الواقع أو تجاوزه، وهما إلى جانب شتى الفنون مكون غذائي للوجدان البشري، إذ كما يحتاج المرء للماء والطعام لحياة صحية يحتاج أن يتعاطي الفن لحياة نفسية صحية.
★ لو طلب منك أن تختار لونا يختصر تجربتك الشعرية… أي لون سيكون؟ ولماذا؟
ما زالت في مراحل التجريب، أحاول التغيير والتنويع دائما بحثا عن القصيدة التي تمثلني، أي أنها الآن منفتحة على شتى الألوان، ولو كان ثمة لون مقرب فقد يكون الرمادي، هذا الذي هو منفتح على الأسود والأبيض، اللون الذي يعكس القلق، القلق الجميل الذي لا نريد له زوالا، الرمادي الذي يحمل الشّكّ في طياته، المسافة الكبيرة الواقعة بين الحقيقة ووجهة النظر.
★ هل تفكر يوما في تحويل قصائدك إلى مشروع بصري أو مسرحي؟
يا سلام! طرقت ذهني قبل سنوات فكرة إصدار ديوان مرئي، عبر شريط صور متحركة " شريط فيديو"، بتسجيل نصوص الديوان صوتا وصورة، هي فكرة كانت حاضرة ولا أدري إن كانت سترى النور، أظنها من متطلبات هذا الوقت.
★ كنت من مؤسسي منتدى "وادي الشاطئ للثقافة والفنون" ، ما الذي أردت تغييره في المشهد الثقافي من خلال هذه المبادرة؟
منتدى وادي الشاطئ من المؤسسات الثقافية الفاعلة في وادي الشاطئ، والتي كان لها دور بارز في تحريك مياه الثقافة الراكدة آنذاك، ومما يميز هذه المؤسسة أن أسرتها المؤسِّسة جاءت من مختلف مدن وقرى الوادي، ومن طاقات إبداعية مختلفة منها التصوير الفوتوغرافي والشعر والفنون التشكيلية والإعلام... ولعل هدفنا جميعا أسرة المنتدى الثقافية يتمثل في خدمة المجتمع معرفيًا وإبداعيًا، وتعزيز الهوية الثقافية، ودعم الإنتاج الفكري والفني من خلال تنظيم الفعاليات، الندوات، المعارض، والأنشطة التعليمية التي ترفع الوعي الثقافي لدى مختلف فئات المجتمع.
★ هل تعتقد أن الثقافة في الجنوب الليبي مظلومة إعلاميا؟
مما لا شك فيه أن الجنوب الليبي يفتقر إلى الاهتمام الجاد والحقيقي بالحركة والنشاط الثقافي من قبل المؤسسات المعنية بالدولة، قبل أن يكون تهميشا للإعلام المصاحب للحركة الخجولة المتمثلة في نشاطات بسيطة على فترات مترامية الزمن، النشاطات الثقافية عملية شحن وجداني ومعرفي وفكري للذات الفردية والمجتمعية، ولخلق بيئة صحية ومجتمع واع لا بديل عن صناعة مشروعات ثقافية حقيقية متكاملة، تعني الفرد والمجتمع وتهتم بهذه الضرورة البشرية، ندرة هكذا نشاطات هي مؤشر فقر خطير ما
★ كيف ترى دور الشاعر اليوم: هل هو شاهد، أم فاعل، أم مجرد ذاكرة؟
الشاعر بطبيعته عينٌ حسّاسة تلتقط ما لا يراه الآخرون، هو شاهد على التحوّلات الاجتماعية، على الألم الإنساني، على التفاصيل الصغيرة التي تصنع روح العصر، لكن شهادته ليست تقريرًا صحفيًا، بل شهادة جمالية تُعيد صياغة الواقع في لغة أعمق، وحين يمتلك النص القدرة على التأثير في الوعي، يصبح الشاعر فاعلًا... ليس بالضرورة فاعلًا سياسيًا مباشرًا، بل فاعلًا في تشكيل الحسّ الجمعي، في توسيع الخيال، في إعادة تعريف الإنسان لنفسه، كثير من التحولات الكبرى في التاريخ بدأت بتغيّر في اللغة والتصورات وهنا يعمل الشعر..
★ مشاركاتك في المهرجانات وبيت الشعر بالقيروان… ماذا أضاف لك الاحتكاك بالمشهد العربي خارج ليبيا؟
المشاركات واللقاء بالشعراء من مدارس ولغات مختلفة يفتح آفاقًا جديدة للتجربة الإبداعية، ويُغني الرؤية الفنية من خلال الاطلاع على أساليب متنوعة وتجارب مختلفة، النشاطات تتيح تكوين شبكة علاقات مع شعراء ونقاد ومنظمين، وهذا يفتح أبوابًا لمشاركات مستقبلية ممكنة، وعلى الصعيد الشخصي كان لي عديد المشاركات في نشاطات بيت الشعر بالقيروان، أحد أكثر بيوت الشعر دفئا وحميمية ولعله أكثرها، أعتبر نفسي أحد أفراد أسرته الكبيرة، حتى طريق السفر إلى بيت الشعر القيرواني لا تشبه طريق السفر إلى أي نشاط شعري آخر، إنه مختلف تماما، لعل من مصادر هذا الأمر هو الروح الصوفية العظيمة بتلك المدينة الرحبة، إلى جانب كرم أهله السيدة الشاعرة جميلة الماجري مدير البيت، وحارسه الصديق الشاعر تهامي الجوادي، البيت زرع في القلب شجرة وجدانية دائمة الخضرة.
★ كيف يكتب شاعر شاب في بلد عاش تقلبات سياسية وأمنية عميقة؟
مثل تلك التقلبات والاضطرابات قد تشغل دور الوقود والمحرك للإنتاج الأدبي والفني، هي بيئة غير صحية وباعثة للقلق، وهذا ما يدفع الكاتب لأن يخرج ما أمكنه من "اللاءات" في وجه هذه الأمور، لا للرصاص.. لا للبنادق.. للفساد ولكل ما تجره الصراعات، على أن لا يكون الرفض خطابيا أو سرديا مبالغا في النص الشعري، فإذا كان الأمر مقتصرا على الرفض -بغض النظر عن الشعرـ فنستطيع أن نرفض بالمقالة...
★ هل يمكن للشعر أن يكون فعل سلام حقيقي في ليبيا؟
يمكنه أن يكون فعل سلام، أما فاعلا فلا أظن، لا أرى أن الشعر في زمننا مؤثر وفاعل كما كان في العصور القديمة، التأثير والتغيير يحتاج قوى أكبر من الشعر، في الماضي كانت الاهتمامات الدنيوية الفنية قليلة.. الشعر كان له ثقل وكلمة فصل، لا يكتب التاريخ فحسب.. بل يغير الواقع، كان شريكا في صناعة الحدث، في وقتنا الحالي الشعر لا يتعاطاه سوى القليل، القوى العسكرية والاقتصادية هي القادرة على خلق السلام، ربما (الأغاني) أكثر قدرة من الشعر على هذا الفعل من الشعر -لا بتغليب دور الموسيقى على الكلمة بل بنتيجة الدمج- الأغلبية الساحقة في هذا العالم تطرب وتتأثر بالأغنية، نجدها تغير المستمع من حال معينة إلى أخرى.. وفي هذا الشأن "التأثير" أتذكر قصة الحرب الأهلية التي كانت تدور في كوت ديڤوار -ساحل العاج- قبل أكثر من عقد من الزمن، قائد منتخب ساحل العاج آنذاك "ديديه دروغبا" وقف بين زملائه اللاعبين في مشهد فيديو ووعد بأن يصعدوا المنتخب إلى منافسات كأس العالم شرط أن تتوقف الحرب الأهلية في المنطقة.. وفوا بوعدهم وبالفعل أوقفت الأطراف المتناحرة القتال فيما بينها، كرة القدم اللعبة الشعبية الأولى في العالم، وتأثيرها جدير بالنظر..
★ ما الصورة التي تود أن يحملها القارئ العربي عن الشاعر الليبي اليوم؟
ما أوده في هذا السياق أن يوجد جسر يربط بين التجربة الشعرية في ليبيا بنظيرتها في الوطن العربي من خلال مهرجانات وملتقيات شعرية داخل ليبيا بمشاركة التجارب الشعرية من مختلف الدول الشقيقة، أشعر بأسف شديد تجاه ندرة النشاطات الليبية بحضور ومشاركة الأشقاء، رغم أنه وإذا حدث فإن التنظيم يكون على أعلى المستويات، في الأيام القليلة القادمة ستشهد "ليالي مصراتة" الرمضانية أربع أمسيات شعرية بمشاركة أصدقاء شعراء من مختلف الدول العربية، هذا أمر يدعو لمسرة عارمة، متشوق للحدث، وأتطلع لأن يكون حدثا سنويا لرتق هذه الفجوة بين النشاط الشعري الليبي ومشاركة الأشقاء، صورة الشاعر الليبي يأخذها القارئ العربي أجمل بالقراءة والاحتكاك.
★ هل تشعر أن جيلك الشعري يمثل قطيعة مع السابقين أم امتدادا لهم؟
لم أشعر بذلك قيد أنملة، إنه جيل مرتبط ارتباطا وثيقا مع ما قبله من العصور، ويتجلى ذلك عبر ذاكرة الجيل ومحفوظاتها، وتقديرها لمختلف التجارب، الجلسات الجانبية للملتقيات تقول كل شيء، إنه نوافذ مفتوحة على بساتين البردوني ونزار ودرويش وعبد الرزاق.. منها إلى مختلف الجنان والمنابع الشعرية لسابقها من العصور، وهذا لا يعني الاتكاء الكلي في الكتابة على كل ما هو سابق، هناك مسافة فاصلة شديدة الحساسية، من اكتشفها وتجنب الوقوع بها نجا.
★ تم تناول تجربتك في رسالة ماجستير ،هل تخيفك القراءة الأكاديمية للنص؟
بكل صدق نعم، في البداية كنت متخوفا جدا من ذلك، كونها المرة الأولى وعلى ديواني الأول، لكن وبعد الاطلاع على الرسالة ذهلت جدا صراحة، لعلها من بين أجمل ما حدث لي، كانت دراسة دقيقة ونافذة، تناولت السكنات والحركات في الديوان، وزرعت الكثير من الأشجار والخضرة والعصافير، كما علقت المصابيح والمآذن، بالغ الامتنان للطالبة أميمة عبد الجواد ولأستاذي الدكتور محمد الخازمي الذي اقترح ديواني لها مشروع رسالة.
★ ماذا تعني لك الجوائز والتكريمات؟ اعتراف، مسؤولية، أم عبء إضافي؟
أهميتها في المادة والوصول إلى نطاق أوسع من القراء بقيمتها الإعلامية، مختصرة الكثير من الوقت، لا تشكل أي عبء لأنها ليست تأشيرة دخول إلى دولة الشعر، ولا هي قرار إقالة، لا شيء يشكل عبئا كشهادة المبدعين وأصحاب الذائقة/ الداهية..
★ لو كانت لديك فرصة لتكتب سطرا أخيرا في حياتك، ماذا تحب أن يقول؟
على العكس تماما، أود أن أحصل على فرصة لأمحو ولو سطرا من حياتي، ثمة سطور كثيرة زائدة في حياتي، لا لكثرة ما أكتب إنما لكثرة ما أخطئ قياسا بما أخطّ، ما أجمل الحياة بسطور قليلة وأخطاء أقل، لدي هاجس من السطور التي خرجت عن المقصد والمعنى، السطور المشرعة على التأويل/ حمالة الأوجه، كانت الحياة ستكون مريحة لو أنها أقل سطورا واضحة المعالم، منغلقة على معنى محدد، هذا الهاجس أصابني كذلك فيما يمكن أن يكون ما بين السطور.
بعد هذا العبور الطويل في تضاريس الروح، نخرج من حوار هود الأماني ونحن أكثر يقينا بأن الشعر، حتى وإن لم يوقف حربا، يزرع شجرة في القلب.
وأن الجنوب، مهما بدا بعيدا على الخرائط، قريب حين يكتب بصدق.
بين الشطرنج واللوحة، بين الصمت والمقهى، بين الرفض والأمل، يظل الشاعر شاهدا لا يكتفي بالشهادة، وفاعلا لا يدعي البطولة، وذاكرة لا تنسى القمر المسروق من البيوت… لأنه لم يسرق.
لعل القصيدة، كما يقول: نهر له منبع ومجرى ومصب.
وقد وصل هذا النهر إلينا، محملا بالرمادي الجميل، بالقلق الذي لا نريد له زوالا، وبإيمانٍ خافتٍ لكنه عنيد:
أن الكوارث لا تكفي…
وأن في الهدوء ما يهزم الضجيج.


اترك تعليقا يدل على انطباعك ورأيك بالموضوع