📁 أخر المشاركات

هل الوحدة دواء؟ - رشدي الخميري

 


هل الوحدة دواء؟

يجلس أحدهم بين النّاس، وهم أقرب إليه من حبل الوريد. تتشابك أصواتهم حوله كنسيج دافئ، ويتقاسم معهم مشاغله وأفراحه ومشاريعه المؤجّلة، ويرسم بصحبتهم خرائط أيّامه القادمة. يفتح لهم خزائن صدره كما تفتح النّوافذ للشّمس، ويودع عندهم أسراره راجيا أن يجد في قربهم سندا، وفي إنصاتهم وطنا مؤقّتا يلوذ به كلّما أثقلته الأيّام. يرفعهم في سلّم علاقاته إلى مراتب عليا، ويطمئنّ إلى أنّ ما يقال في حضرة الودّ يبقى في حرز الودّ.
لكنّ الأسرار، أحيانا، تكون أخفّ من أن تمسك طويلا. تتسرّب أخباره كما يتسرّب الماء من بين الأصابع، ويجد بعض كلماته مبعثرة في الأزقّة الضّيّقة للأحاديث العابرة. هناك، تتلقّفها الألسن، وتلبسها أثواب التهكّم، وتنفخ فيها حتى تصير أكبر من حجمها. عيوبه، وهي من طينة ما قد يتّصف البشر بعضهم أو جميعا، تتحوّل في مرايا السّخرية إلى ظلال مشوّهة. تزاد عليها زيادات من هذا الجانب وذاك، حتّى تصير مادّة سائغة للنّيل منه، وسلّما واهيا يصعد عليه الآخرون ليبدوا أعلى.
يصطدم صديقنا بهذه الحقيقة كما يصدم المسافر بصخرة في طريق كان يظنّه معبّدا. يقف حائرا بين دهشة وغصّة. لم يفض بسرّه إلى غريب ولا إلى معرفة باهتة، بل إلى أحبّة نسجت معهم الأيّام خيوطا كثيفة من الذّكريات. كان يظنّ تلك الخيوط حبال نجاة، فإذا بها تتفلّت من بين يديه. يجلس طويلا يراجع الوجوه والمواقف، ويعيد قراءة الضّحكات القديمة، فيتسرّب إلى قلبه شعور مرير بأنّه مخدوع في أحدهم… أو فيهم جميعا.
عند تلك العتبة المعلّقة بين الثّقة والانكسار، يتّخذ قرار الانزواء. يفعل ذلك على كره منه للوحدة، كمن يشرب دواء مرّا وهو يرجو الشّفاء. يستبعد من مخيّلته فكرة البوح، ويشيّد حول خوالجه أسوارا عالية. يعاهد نفسه أن يواجه واقعه منفردا؛ فلا سند له سوى ظهره، ولا حامي له إلاّ ساعده ولسانه. وهكذا، بعد تجارب متراكمة وتنازلات أنهكته، يقنع نفسه بأنّ الاعتماد على الذّات هو المرفأ الأخير الذي لا يخونه.
غير أنّ العزلة، حين تطول، لا تبقى كما تخيّلها في أوّل الأمر. كان يظنّها حصنا منيعا، فإذا بها مرآة واسعة تعكس ذاته بلا تزييف. في صمتها الكثيف يسمع ضجيج أفكاره أعلى ممّا كان يسمعه بين النّاس، وتنهض هواجسه الصّغيرة عمالقة تجوب أروقة روحه. كلّ سؤال مؤجّل يعود إليه، وكلّ جرح مستور يطالب بحصّته من الضّوء. هناك، في مواجهة هذا الصّفاء القاسي، يدرك أنّ الهروب من خيبة الآخرين لا يعني النّجاة من مواجهة النّفس.
يمرّ زمن وهو يتعلّم الإصغاء إلى ذلك الصّوت الدّاخليّ، صوت يشبه جدولا خفيّا كان يضيع في صخب الخارج. يبدأ في التّمييز بين السّكينة والوحدة: السّكينة مصالحة هادئة مع الذّات، تشبه جلوس المساء على عتبة يوم طويل، أمّا الوحدة فامتحان ممتدّ لقدرة الإنسان على احتمال نفسه حين تتعرّى من كلّ الزّينة. وفي هذا الامتحان، يتعلّم أن يزن كلماته بميزان أدقّ؛ لا ليكبتها، بل ليمنحها لمن يستحقّها، كما تمنح الهدايا النّادرة لمن يعرف قيمتها.
شيئا فشيئا، تتبدّل صورة العزلة في عينيه. لم تعد جدارا يصدّه عن العالم، بل صارت غرفة سرّيّة يعود إليها كلّما أثقله الضجيج. هناك يرتّب فوضى أفكاره كما ترتّب الكتب على رفوف عالية، ويضمّد كسوره بصبر ناسك يعرف أنّ الشّفاء يحتاج وقتا. يخرج من تلك الغرفة أخفّ حملا، وأكثر قدرة على السّير بين النّاس دون أن يذوب فيهم أو يتكسّر عليهم.
وحين يعود إلى الجموع، لا يعود كما كان. يصير أكثر انتقاء لدوائر قربه، وأشدّ وعيا بحدود البوح. يفهم أنّ البشر، مثل المرايا، ليست كلّها صالحة لعكس أسرارنا؛ بعضها يلطّخ الصّورة، وبعضها يكسرها. ومع ذلك، لا يكفّ عن الإيمان بأنّ في العالم قلوبا تتّسع لحمل ما نضعه فيها دون أن تفرّط به.
هناك، في نقطة التّوازن الدّقيقة بين القرب والابتعاد، تنكشف له إجابة السّؤال الذي أقلقه طويلا. يفهم أنّ الوحدة ليست دواء يؤخذ دفعة واحدة، ولا داء ينبغي الفرار منه. إنّها جرعة تقاس بقدر الحاجة؛ إنّ زادت أثقلت القلب حتّى يضيق بأنفاسه، وإن اعتدلت منحته صفاء يرى به الأشياء على حقيقتها. وبين النّاس، على ما فيهم من نقص وتقصير، منافذ للرّوح لا تفتح إلاّ بصحبتهم، كما أنّ للعزلة حكمتها التي لا تنال إلاّ بالانفراد.
فيقتنع أخيرا، وقد صالح التّناقض القابع في داخله. يدرك أنّ الحياة ليست اختيارا بين الوحدة والنّاس، بل فنّ العبور بينهما دون أن يفقد نفسه. فيمضي، قريبا من الآخرين بما يكفي ليبقى إنسانا، وقريبا من ذاته بما يكفي ليبقى حيّا.
رشدي الخميري/ جندوبة/ توتس
تعليقات