في ليلة شتوية باردة، هبت رياح قوية، تحمل معها مطرًا غزيرًا، كأن الطبيعة أرادت أن تغسل الأرض من كل ما علق بها. كان المطر يهطل بلا انقطاع، يرقص على نوافذ المنازل، ويغني أغنية شتوية جميلة.
في تلك الليلة، كنت جالسًا في غرفتي، أراقب من خلال النافذة كيف يغمر المطر الشوارع، ويحولها إلى مرايا عاكسة للضوء. كانت الرياح تعوي، لكن صوتها كان كالموسيقى التي تهدئ الأعصاب. شعرت بالراحة والهدوء، كأن العالم توقف عن الدوران، ولم يبق سوى أنا والمطر.
بدأت أتذكر أيام الطفولة، عندما كان المطر يعني لنا الفرح واللعب. كنا نخرج إلى الشوارع، نركض تحت المطر، ونلعب بالطين. كانت الضحكات تملأ الهواء، والفرح يغمر قلوبنا. الآن، ومع تقدم العمر، أصبح المطر يعني لي الهدوء والتأمل.
في تلك اللحظة، سمعت صوتًا خافتًا، إنه صوت جدتي، كانت تقول لي: "المطر يغسل الأرواح كما يغسل الأرض". نظرت إلى السماء، وشعرت بأن المطر يغسل قلبي من كل ما علق به، يزيل كل الألم والقلق. شعرت بأنني أعود إلى نفسي، إلى جوهر ما أنا عليه.
استمر المطر في الهطول، والرياح في العواء، لكنني شعرت بالسكون. كان المطر يغسل الأرض، ويغسل قلبي، ويعيد إليّ الشعور بالصفاء. في تلك الليلة، تعلمت أن المطر ليس مجرد ظاهرة طبيعية، بل هو رسالة من الطبيعة، تذكرنا بأن كل ما في الحياة يأتي ويذهب، وأن الصفاء والسكون هما الأهم.
...
عبد الكريم الكوكي
اترك تعليقا يدل على انطباعك ورأيك بالموضوع