📁 أخر المشاركات

قراءة نقدية في نص "تبعثري شوق" للشاعرة الأردنية ربا رباعي - هشام أحمد السح

 

قراءة نقدية في نص "تبعثري شوق"   للشاعرة  الأردنية ربا رباعي - هشام أحمد السح


1-  العنوان: مفتاح الارتجاف الأول

«تبعثري شوق»

عنوان قصير، مشحون، ومفتوح على احتمالات لا نهائية.

الفعل المضارع هنا ليس توصيفًا، بل حالة مستمرة؛

الشوق لا يُبعثر مرة،

بل يتفتّت في كل لحظة كأن الذات فقدت القدرة على جمع نفسها من جديد.

العنوان يخلو من الفاعل وهذا مقصود وذكي:

هل المُبعثِر هو الحبيب؟

الزمن؟

الذاكرة؟

أم الشاعرة نفسها؟

هذا الفراغ هو أول مساحات السحر في النص.

2 -  المدخل النصي:

حين يتحوّل الشوق إلى كائن مرئي

كأني رأيت الشوق

يرتعش بريقه لطيفك

نحن أمام تجسيد بصري نادر:

الشوق يُرى، يرتعش،

وله بريق ويرتبط بالطيف لا بالجسد.

والطيف كما نعلم  أكثر إيلامًا من الغياب لأنه حضور بلا خلاص.

هنا تبدأ القصيدة لا من القلب بل من العصب.

3 -  حركة النص: من التبعثر إلى الطوفان

القصيدة لا تسير،

إنها تتدفق.

موجة تأخذ القارئ إلى أخرى حتى يصبح الغرق جزءًا من المتعة.

تأخذني أمواج سلام

تعثرت صباحاتي وكبر

مفارقة جميلة:

سلامٌ على هيئة أمواج وصباحاتٌ تتعثر بدل أن تشرق.

هذا التناقض هو ما يمنح النص صدقه؛

لأن المشاعر الحقيقية لا تكون منسجمة أبدًا.

4 -  المطر: الرمز المركزي وذاكرة النص

المطر في هذا النص ليس استعارة عابرة،

بل العمود الفقري الشعوري:

دموع

غسل

رقصة

خلاص مؤجل

تتراقص دموع الألم تحت زخات المطر

غيم الأمل يتراقص بين قطرات المطر

التكرار هنا ليس ضعفًا بل إيقاع داخلي كأن المطر نفسه يكتب القصيدة مع الشاعرة، ينزل، يتوقف، ثم يعاود الهطول.

5 -  الألم: من الوجع إلى الموسيقى

الألم في هذا النص لا يُصرخ بل يُعزف:

عزف لغات الصمت

بأنات ثملت لمخالب أقدار

نحن أمام صورة مركبة عالية الكثافة:

الصمت لغة

اللغة تُعزف

الأنّات تثمل

الأقدار لها مخالب

هذا ليس وصفًا للألم بل تشريحه شعريًا.

6 -  الشوق والتمرد: أنوثة ترفض الاستسلام

تلامس جنون عشقي وتمردي

الشاعرة لا تقدّم ذاتًا باكية فقط بل ذاتًا متمردة تعيش الشوق كحالة عشق مجنون لا كاستجداء عاطفي.

وهذا يمنح النص قوة أنثوية هادئة،

بعيدة عن النواح، قريبة من التحدي.

7 -  الذروة الوجودية: الانعطاف نحو الداخل

افتقدك يا أنا

هنا…

يتوقف النص عن مخاطبة الآخر،

ويلتفت فجأة إلى الداخل.

هذه الجملة القصيرة تختصر القصيدة كلها.

إنها لحظة انكشاف وجودي:

الغائب الحقيقي ليس الحبيب،

بل الذات التي تآكلت تحت وطأة الانتظار.

هذه الجملة وحدها

كفيلة بأن تُعيد قراءة النص من بدايته.

8 -  الموسيقى الداخلية: قصيدة تُسمَع لا تُقرأ

النص يعتمد على:

الأفعال الحركية

الألفاظ الرخوة

التكرار الذكي

الجُمل المفتوحة

لا وزن، ولا قافية،

لكن هناك نبضًا واضحًا كأن القصيدة كُتبت على إيقاع قلبٍ خائف.

9 -  ملاحظات فنية دقيقة (بروح نقدية محبة)

 التكثيف

بعض المقاطع كانت ستصبح أكثر توهجًا لو خُفّفت قليلًا من تراكم الصور المتشابهة فالقصيدة قوية بما يكفي لتقول أقل وتُحدث أكثر.

 أخطاء إملائية طفيفة:

أوتاار ← أوتار

الامنيات ← الأمنيات

يُفضّل تثبيت همزة الألم حيث وردت

 بعض الغموض التركيبي

مثل:

لارى رسائل لقائنا وهما

يمكن إعادة صياغتها لزيادة الوضوح دون كسر الغموض الشعري.

10 -  الخاتمة: لماذا هذا نص يُحترم؟

لأنه:

صادق دون ادعاء

عاطفي دون ابتذال

غامض دون تعقيد

موسيقي دون وزن

«تبعثري شوق» نصٌّ

لا يطلب التصفيق،

بل الإنصات.

وهو دليل على أن الشاعرة  ربا رباعي

تكتب من مكان موجوع…

لكن ناضج شعريًا.

الأديب هشام أحمد السح

تعليقات