📁 أخر المشاركات

كُتاب المنافي: بين الشُجون والحنين - وفاء ميلود ساسي





كُتاب المنافي: بين الشُجون والحنين

بقلم الأديبة: أ. وفاء ميلود ساسي _ ليبيا

      المنافي مساحة بين الحنين والكتابة، بين الغياب وتدوين الذاكرة، تتشكّل هذه القراءة في أدب من عاشوا خارج أوطانهم أو داخل غُرباتهم الخاصة.

     ليس المنفى مُجرد مكان بعيد تستقر فيه الأقدام، وتستوطن فيه الأنفس، بل هو تجربة وجودية عميقة تتكوّن من طبقات الحنين، وتتشكل بين شُجون الروح ومسافات الغياب. عبر التاريخ الحديث، حمل كثير من الكُتّاب العرب قُلوبهم فوق المنافي، وكتبوا من هناك نصوصاً ظلّت مُعلّقة بين وطنين: وطن حقيقي تركوه خلفهم، ووطن آخر صنعوه بالحبر ليحتموا به من الغُربة.

     الكتابة في المنفى ليست هُروباً، بل مُواجهة الذات أولاً، ثم مُواجهة فقدٍ لا يُقال بسهولة. ولعلّ الأدب العربي الحديث شهد في كُتّاب المنافي صوتاً صادقاً على وجع الإنسان أينما كان.

السياب أول الحكاية

 حين نتحدث عن المنفى، يتقدّم اسم بدر شاكر السيّاب، شاعر العراق، وشاعر الغُربة والإنسان. حمل السياب وطنه معه أينما حملته المنافي، وفي واحدة من أشهر نصوصه كتب:  

بينَ الخليجِ وبينَ دجلةَ حُجْبَةٌ

 يُنسى بها الصوتُ البعيدْ

لم يكن بعيداً عن العراق بقدر ما كان العراق يسكُنه. كل بيت يكتُبه يُشبه يداً تمتد من المنافي نحو ضفاف دجلة.

     وإذا انتقلنا من العراق إلى تُونس، نجدُ شكلاً آخر للمنفى؛ منفى يتجاوز الجُغرافيا إلى الداخل. يبرز اسم أبي القاسم الشابي، الشاعر التونسي، الذي لم يبتعد كثيراً عن وطنه، لكنه عاش غُربة روحية عميقة تُشبه سجناً لا تُرى قُضبانه. 

     ويظهر هذا النوع من الغُربة أيضاً مع بعض كُتاب تونس المُقيمين في الخارج، ومنهم الروائي الحبيب السالمي، المُقيم في باريس منذ أعوام، حيث كتب العديد من الروايات التي تتناول موضوع الهوية والحنين والغُربة، ويصف تونس وكأنه مازال يتمشى في أزقتها القديمة. في رواياته يُطل الوطن كحنين هادئ، كظل لا يُفارقه مهما طال الرحيل.

     أما في ليبيا، فقد امتدت كتابة المنفى لتكون عُنصراً أساسياً في أعمال بعض الأدباء. يبرز الروائي إبراهيم الكوني، المُقيم في سويسرا، الذي صوّر الغربة والاغتراب الداخلي في رواياته مثل "التبر" و"نزيف الحجر" و"الفم" و"صحراوي الكبرى". في نصوصه، تُصبح الصحراء كوطن بديل، ليست مُجرد مكان جغرافي، بل هويته الأصلية ووطنه الروحي الأبدي. 

المنفى عند الكوني يظهر كابتعاد عن هذا الوطن الداخلي، والكتابة هي وسيلته للهروب من المحنة الوجودية والتعبير عن الحنين والبحث عن الأصول والأساطير المفقودة. كتاباته تمتزج فيها ذاكرة الصحراء بروح الأسطورة، فتُشكل فضاءً رحباً يتداخل فيه الواقع والخيال، وتنبُض فيه أصداء الماضي في الكلمات، ليُصبح المنفى جُزءاً من تجربة إبداعية تعكس علاقة الإنسان بوطنه وذاته.

     ورحل آخرون من ليبيا بين الشرق والغرب، فكتبوا من منافيهم مُدناً صغيرة على الورق، تبدو كذاكرة تبحث عن ذاتها.

      المنفى ليس دائمًا جُغرافياً؛ أحياناً يكون المنفى حالة نفسية أكثر منه مسافة بين بلدين. قد نكون داخل أوطاننا ولكننا نشعر بالغُربة التي تُلامس وجداننا وقُلوبنا، الغُربة التي لا تُترجمها نُصوص ولا تُوجزها العبارات. 

     وقد كتبتُ سابقاً في مقالي "عن الغريب الذي لا يُغادرنا" أن الغريب الحقيقي ليس من ابتعدت به المسافات، بل ذاك الذي يسكُنك دون أن تدري كيف احتلك.

     فالكاتب قد يعيش في وطنه لكنه يشعر بغُربة داخلية، كما لو أن قلبه هاجر دون أن يُغادر جسده. هنا يُصبح المنفى حالة إنسانية مُشتركة بين كُل من حمل قلماً وكتب عن وجع الإنسان، عن أحلام مُؤجلة، وعن أرضٍ باقية في الذاكرة مهما ابتعد الجسد عنها.

     المنافي تصنعُ كُتّاباً، والكُتّاب يصنعون أوطانهم بالحبر. بين الشُجون التي يُورثها البعد، والحنين الذي يشتعل في كُل نص، ولدت رؤى جديدة للأمكنة، وظهرت أعمال خالدة ولدت في المنفى، لكنها عادت إلى أوطانها لتُصبح ذاكرة لها. لقد أثبت كتاب المنافي أن الوطن ليس دائماً مكاناً مُحدداً، بل هو لغة، وذاكرة، وظلال أشخاص أحببناهم وكتابة. 

ولعل المنفى لا يسرق الوطن من الروح، بل يُعيد كتابته من جديد بالحبر هذه المرة، لا بالمسافة ولا بالحدود.

تعليقات