نساء النوير وأحلام أطفال الأدغال:
الروائي/ محمد عبدالله عبدالله أبكر
عشر سنوات مرت، والزمن في أرض النوير لا يُقاس بالساعات أو الأيام، بل بصرخات الألم وذكريات النزوح المرير، عقدٌ كامل من الزمان، والأبرياء من شعبنا يدفعون ثمن صراعات لم يختاروها، ليجدوا أنفسهم غرباء في وطنهم، أو تائهين على دروب الشتات، لقد تحولت أرض النوير من موطن للأمان والسكينة إلى مسرح للتعب والمطاردة.
لكن المشهد الأكثر إيلاماً في هذه المأساة هو مشهد المرأة، تلك المرأة التي لم تعد تلد أطفالها في بيوتٍ آمنة، بل وُلد جيل كامل من أطفالنا في الأحراش ووسط الأدغال، تخيلوا تلك اللحظة؛ حيث يمتزج صراخ المولود الجديد بأصوات الرصاص أو حفيف الأشجار التي يتوارى خلفها الهاربون.
لقد اضطرت نساؤنا لخوض أصعب معارك البقاء، وهن يركضن حاملاتٍ أرواحهن وأجنةً في بطونهن، يبحثن عن سلام مفقود خلف الحدود في الدول المجاورة، هؤلاء النسوة لم يهربن طلباً للرفاهية، بل فراراً من موتٍ يطارد الصغير والكبير، وبحثاً عن سقفٍ يحمي أطفالهن من قسوة الطبيعة وبطش النزاعات.
إن هؤلاء الأطفال الذين وُلدوا في الشجيرات وهم في طريقهم إلى مخيمات اللجوء، هم شهود أحياء على عقد من المعاناة، إنهم يكبرون وفي ذاكرتهم قصص الهروب لا قصص النوم، ورائحة الغابات لا رائحة البيوت، لقد استغرق الأمر عقداً، ولا تزال الجراح نازفة.
إن صرخة نساء النوير اليوم ليست مجرد نداء استغاثة، بل هي تذكير للعالم بأن هناك شعباً يعاني في صمت، وأن كرامة الإنسان تبدأ من حقه في الولادة بسلام، والعيش في أمان، والعودة إلى أرضه التي اشتاقت لخطوات أبنائها، متى ينتهي هذا الرحيل المر؟.
ومتى تصبح الأدغال ذكرى عابرة والبيت حقيقة دائمة؟.
عشر سنوات كافية جداً ليدرك الجميع أن السلام ليس خياراً، بل هو شريان الحياة الوحيد الذي تبقى لنوير الأبرياء، تلك كانت الكلمات التي كتبتها نياكونغ في دفترها المهترئ وهي تجلس تحت ظل شجرة لالوب في أحد مخيمات اللجوء على الحدود، لم تكن مجرد كلمات، بل كانت تقوِيماً لعقدٍ من الزمان عاشته بين الرماد والهروب.
عقد من الرماد بدأت الحكاية قبل عشر سنوات، في ليلة لم تكن تشبه ليالي أرض النوير الهادئة، كانت نياكونغ في شهرها التاسع، تحلم بمهدٍ من القش تصنعه بيديها لمولودها الأول، لكن الرصاص كان أسرع من أحلامها، مع أول شرارة للمواجهات، تحولت القرى إلى كتلة من اللهب، لم يكن هناك وقت للوداع.
حملت نياكونغ ثوباً واحداً وخرجت مع جاراتها، يركضن باتجاه المستنقعات الكبرى، كان الهروب في أرض النوير يعني أن تصبح الأدغال هي بيتك، والشجيرات هي سترك، في الليلة الثالثة من النزوح، وسط الغابات الكثيفة حيث تتقاطع أصوات الحيوانات البرية مع أصوات الطائرات في الأفق، شعرت نياكونغ بآلام المخاض، لم يكن هناك طبيب، ولا سرير أبيض، ولا ماء معقم.
التفت حولها نساء القبيلة، شكلن دائرة بأجسادهن النحيلة ليسترنها خلف شجيرة كثيفة، كانت النيران ممنوعة لأنها تجذب الأعداء، فتمت الولادة في ظلام دامس، وسط حفيف الأشجار وصمت الرعب، ارتفع صوت صرخة صغيرة.. صرخة غاتلوك، لقد ولد طفلي في الأدغال، همست نياكونغ وهي تضمه إلى صدرها المرتجف.
لم يكن غاتلوك وحيداً، ففي تلك الليلة، وفي شجيرات أخرى قريبة، كانت ثلاث نساء يلدن أطفال الشتات، جيل كامل ولد وهو لا يعرف معنى الجدران، بل يعرف فقط معنى المسير، رحلة العبور
استمرت الرحلة لأسابيع، كانت النساء يمشين لساعات طوال، يعبرن الأنهار والمستنقعات، يحملن الأطفال على ظهورهن، والهموم فوق رؤوسهن، كان الهدف هو الوصول إلى الدولة المجاورة حيث الأمان النسبي.
تقول نياكونغ كنا نأكل جذور الأشجار ونشرب من مياه الأمطار، لم نكن نهرب طلباً للرفاهية، بل كنا نسابق الموت لكي لا يدرك هؤلاء الصغار الذين لم يفتحوا أعينهم بعد على الدنيا، كل خطوة كانت تزيد من قسوة الحكاية، مات البعض من العطش، وتاه البعض في الغابات، لكن الغالبية العظمى من نساء النوير واصلن السير، مدفوعات بغريزة الأمومة التي تتحدى الرصاص.
عشر سنوات في الانتظار، حتي كبر غاتلوك، إنه الآن في العاشرة من عمره، لم يسبق له أن رأى قرية أمه الأصلية، ولا يعرف عن موطنه إلا القصص التي ترويها له نياكونغ قبل النوم تحت خيمة المفوضية، يسألها دائماً: أمي، لماذا ولدنا في الغابة؟ ولماذا لا نملك بيتاً له باب ومفتاح؟.
تغص نياكونغ بعبرتها وتجيبه: لأن السلام كان مسافراً يا بني، ونحن لا نزال ننتظر عودته، هذا الطفل هو واحد من آلاف أطفال الأدغال، جيل لم يشم رائحة البيوت القديمة، بل نشأ وفي أنفه رائحة الغبار ورائحة المساعدات الإنسانية، جيل يمتلك القوة لأنه ولد من رحم المعاناة، لكنه يحمل ندوباً لا تبرأ في ذاكرته الجماعية.
صرخة من أجل غدٍ أخضر
لقد استغرق الأمر عقداً كاملاً، ولا تزال نساء النوير ينسجن من ثيابهن الممزقة قصصاً للصمود، لم تعد الصرخة اليوم مجرد طلب للغذاء أو الكساء، بل هي صرخة من أجل الكرامة، صرخة تقول للعالم إن عشر سنوات من الرماد كافية، إن أرض النوير تشتاق لضحكات الأطفال في ساحاتها لا في الأدغال، وتشتاق النساء لولادة أطفالهن في غرفٍ دافئة، حيث يكون أول ما يراه المولود هو وجه أبيه المبتسم، لا فوهة بندقية أو غابة موحشة.
عقد من الزمان مر ومتى يصبح الحلم حقيقة؟. متى تعود نياكونغ وغاتلوك ليزرعا بذور الأمل في أرضهما، بعيداً عن الشتات، وبعيداً عن ذكريات الهروب في الشجيرات؟. السلام هو المطلب الوحيد، وهو شريان الحياة الذي يربط بين ماضٍ أليم ومستقبلٍ نرجو أن يكون أخضر.
أرائكم عبر البريد الالكتروني: moh66m10@gmail.com
اترك تعليقا يدل على انطباعك ورأيك بالموضوع