مدينة الضياع:
الروائي/ محمد عبدالله عبدالله أبكر
كانت مدينة الضياع تعاني من احتلال غريب من نوعه؛ لم تكن هناك دبابات في الشوارع، بل كانت هناك منصات تُملي على الناس ماذا يرتدون، وكيف يفكرون، ومن يعادون، كانت الأرض ملكاً للسكان اسمياً، لكن إرادتهم كانت مرهونة لشركات كبرى تصيغ عقولهم عبر خوارزميات معقدة، وفي ليلة من ليالي شتاء، اجتمعت أريج بمجموعة من الشباب في سرداب قديم بعيداً عن أعين الأجهزة الذكية، قال أحدهم بحماس يجب أن نتظاهر لاستعادة السيطرة على مواردنا الطبيعية، الأرض تضيع منا، نظرت إليه أريج بهدوء وقالت لن تنفعنا الأرض إذا استرددناها بعقول مهزومة، إنهم لا يحتلون حقولنا، بل يحتلون تصوراتنا عن أنفسنا، إذا حررنا الأرض وبقيت عقولنا تابعة لثقافتهم واستهلاكهم، فسنعيد تسليمها لهم في عقود بيع مغلفة بالتقدم، بدأت أريج رحلة مختلفة؛ لم ترفع سلاحاً، بل بدأت مشروع الوعي، أنشأت مدرسة سرية لتعليم التفكير النقدي، كانت تُعلم الشباب كيف يفككون الرسائل المبطنة في الإعلام، وكيف يستعيدون هويتهم وتاريخهم الذي طُمست معالمه خلف بريق الحداثة الزائفة، كانت تقول لهم المحتل يضع القيد في يدك لتراه فتثور، لكن المستعمر الفكري يضع القيد في عقلك لتظن أنه زينة، ومع مرور الأشهر، بدأت ملامح المدينة تتغير، توقف الناس عن شراء ما لا يحتاجون، وبدأوا يزرعون حدائقهم الصغيرة بذوراً أصيلة لا تتحكم فيها الشركات، بدأ الشباب يكتبون بلغتهم، ويفكرون بحلول تنبع من بيئتهم، عندما شعر المستعمر الخفي أن قبضته بدأت ترتخي، حاول إغراءهم بوعود تكنولوجية جديدة، لكن العقول كانت قد تحررت بالفعل، لم تعد الخدع تنطلي عليهم، وفي النهاية خرج الناس في مسيرة صامتة، ليست للمطالبة بالأرض، بل لإعلان استقلالهم الفكري وحينها فقط أدرك الجميع أن الأرض عادت إليهم تلقائياً؛ لأن اليد التي تملك عقلاً حراً هي الوحيدة التي تعرف كيف تمسك بالتراب وتدفع عنه الغرباء، حتي تعلم أهل المدينة أن تحرير الأرض هو النتيجة، أما تحرير العقل فهو البداية.
أرائكم عبر البريد الالكتروني: moh66m10@gmail.com
اترك تعليقا يدل على انطباعك ورأيك بالموضوع