* الجُملة العصيَّة، تُحيِّرُنا دائماً في شكل إطارِها، إطارُ اللا شيءِ، أو السَّهوِ.
مِن هُنا كانتِ البِداية، حين دخلتِ الأشياءُ الخفيِّة عالمَها المحتومَ.
أمامَ المرآةِ، تتحوَّلُ إلى - هي - التي تُريدُ، بالأحرَى تُحاوِلُ، أن ترَى مِن خِلالِ فكرتِها، كيف ستُصبِحُ كما أرادتْ لنفسِها أنْ تكونَ.
زعمَتْ، ويأخذها الزَّعم عِدَّةَ مرّاتٍ لتعرِف، لماذا كُلَّما استدرجتْها مراياها، يظهر لها شخصٌ آخرُ!
ذاتَ ليلةٍ اخترعتْ لها شكل سيجارة غيرِ موجودةٍ فِي الأسوق، بعدَ كتابتِها لقصيدةٍ فاشلةٍ، مزَّقتِ الورقةَ نِصفينِ؛ نصفٌ أحرقتْهُ كي لا يعثُر عليه الذي سيتحوَّل، والنّصفُ الآخرُ طوتْهُ، وأولعتْهُ، ثُمَّ بدأتْ تلتهِمُ دخانَهُ.
تحسَّستْ جسدَها البض، صمتتْ طويلاً، التهمتْ عِشرين سيجارة ملفوفة على كلماتها، احترق الحِبر الأزرق وتحوَّل رماداً. اصفَرَّ إصبعاها، تشفَّتْ بها وحدتها، ثمَّ تشفَّى بها الوقت.
بصعوبة بالغة تنفسَّتْ الدُّخان الأسود النّاجم مِن الحرق، أدمعتْ عيناها، في محاولتها الهروب مِن غُرفتها، سمعتْ صوت عزف قادم مِن بعيد!
خُيِّل إليها أنَّ الصَّوت يتكرَّر مُدوزَناً بمهارة، دنتْ أكثر مِن المرآة، كانتْ أصابعَ تعزِف في الهواء، الصَّوت يعلو، ولا آلة عزف، لكنَّه كان مُدوزناً بمهارة.
لا شيء ستخسره لو وجَّهتْ للأصابع أسئلة مُستفسرة عن هويتها! ما الذي سيحصل أكثر، لو تعطَّرتْ، وتزيَّنتْ، وتحلَّتْ بِحُليِّها البرونزيَّة التي اشترتْها عصراً مِن مُنتصف سوق المدينة.
هي لم تشترِ العُقد البُرونزيَّ، كما أنَّها لا تُحبُّ هذا اللون، وأغلب حُليِّها مِن الفضَّة الأصليَّة. ما الذي جعلها تختار طقماً كاملاً مِن البرونز! العُقد، الأقراط، الأسورة، الخاتم. أصبعها، جيدها، معصمها، لم يكونوا مُهيَّئينَ للون تكرهُه.
كُلَّما شخَصَتْ عيناها بجهة مِن جهات المِرآة، كُلَّما مرَّتِ الأحلام كئيبة، وقاصرة عن ترجمة نفسه.
تنقَّلتْ ثانية جِهة القلب، كان غريباً، كما لو خُلِق مِن زُجاجٍ، شعرتْ لحظتها أورِدتُه بدِفءِ الدَّثار الأزرق، قد يكون بِسبب البرد تصرَّفتْ بفعلٍ غير إراديٍّ لترَى جسدها كُلَّه وكأنَّه حقلٌ أزرقُ.
لم يَكُن مُعتلّاً، فصِفة الزُّرقة للبدن المُعتلِّ، بدا منبوذاً عنها وهو يُنصِتُ للموسيقَى.
إنَّما أثناء العزف تحلَّتْ به، ذلك العُقد البُرونزيِّ، وتعطَّرتْ، استغربتْ ماركة العطر، (نينا رج)، (غريب)، قالتْ ذلك، ورشَّته تحت أذنيها وعلى عُنقها ويدها اليُمنَى. ما الذي حوَّلها إلى (شولاء)!
ابتسمتْ باستِغرابٍ لساعةِ يدها، في المِعصم الأيمن، غريبٌ جِدّاً أمرُها الليلة!في خِضَمِّ استغرابها ورَتابة العزف، تجسَّدتْ ربابة في المِرآة، شيئاً فشيئاً تحوَّلتْ إلى آلة عود، تحوَّلتْ إلى كيتار، ثمَّ تلاشتِ الأشكال، والصَّوت، والأصابع، لكِنْ بَقِيَ إصبعٌ واحِدٌ مُشيراً إلى إصبعِها المُوجَّهِ إلى ذات الإصبعِ في المرآةِ.
وفاء عبد الرزاق
اترك تعليقا يدل على انطباعك ورأيك بالموضوع