📁 أخر المشاركات

ضجيج الذاكرة - رشدي الخميري

 


ضجيج الذاكرة

يشتدّ ضجيج الذّاكرة بي حين أخلو بنفسي، هنا أو هناك. لا يحتاج الأمر إلى عزلة كاملة؛ يكفي أن ينصرف نظري عن الوجوه، وأن تهدأ يداي، حتّى تبدأ الصّور في التّدفّق، كأنّ بابا خفيّا فتح فجأة في رأسي. تتضارب وتتزاحم، تأخذني وتضعني في مواضع مررت بها من قبل، كأنّني لم أغادرها تماما يوما.
تمرّ صور باهتة، كأنّها أُنهكت من كثرة الاستدعاء، وأخرى تتّضح وضوح الشّمس، حادّة، لا تقبل المراوغة. بعض تلك الصّور أتجنّبها غريزيّا، أشيح عنها كما يشيح المرء عن مشاهد لا تعجبه. وبعضها الآخر أسحبه سحبا، أتشبّث به، كمن يخشى أن يضيع آخر خيط يربطه بنفسه الأولى، رغم اختفاء ناسه، وتبدّل أمكنته، وخراب تفاصيله الصّغيرة.
بعض الصّور تنعس الذّاكرة، لا توقظها. تأخذني في ممرّات طويلة بين طفولة لم تكن سهلة، وصبا تراوح بين ومضات رفاه عابرة، وصلابة ظروف أثقلت الجميع: البلاد بما حملته من تحوّلات قاسية، والعائلة بما خبّأته من تعب خلف صبر طويل. هناك، في تلك المسافة الرّماديّة، أرى نفسي شابّا يتعلّم ببطء كيف يختار طريقه، لا لأنّ الخيارات كانت واضحة، بل لأنّ التّردّد كان أشدّ قسوة من القرار.
لم يكن الواقع العامّ، في تلك السّنوات، مجرّد خلفيّة للأحداث، بل كان حاضرا كثقل يوميّ. بلد يبدّل جلده على عجل، ويترك أبناءه في منطقة رماديّة، لا يعرفون هل هم على أعتاب أمل جديد أم في ممرّ أطول نحو الخيبة. كانت الأيّام تمضي مثقلة بأسئلة العمل والكرامة، وبإحساس خفيّ بأنّ الجهد وحده لا يكفي، وأنّ الاستقامة لا تضمن بالضّرورة نجاة أو اعترافا. كنّا نتعلّم كيف نخفض سقف التوقّعات، لا تواضعا، بل حماية للنّفس من الانكسار، وكيف نقنع أنفسنا بأنّ الصّبر فضيلة، ولو كان في بعضه اضطرارا.
أمّا الواقع الخاصّ، فكان أشدّ التصاقا بالجلد. بيت يعرف الضّيق أكثر ممّا يعرف الشّكوى، وأشخاص يواصلون حياتهم كأنّ التّعب جزء طبيعيّ من التّكوين. كانت الصّعوبات تدار في صمت: حسابات مؤجّلة، قلق لا يقال، وخوف يغلّف بنبرة عاديّة حتّى لا يثقل أحدا. هناك تعلّمت أنّ القسوة لا تكون دائما صاخبة، وأنّ أقسى ما في العيش أحيانا هو أن تبتسم فيما داخلك يتآكل ببطء.
كنت أحاول، وسط ذلك كلّه، أن أبني شخصيّة مرنة، تشبه غصنا يعرف كيف ينحني من دون أن ينكسر. شخصيّة تأخذ بالأسباب، تؤمن بأنّ النّجاح لا يأتي مصادفة، لكنّها في الوقت نفسه لا تتبرّأ ممّا هي عليه، ولا تنكر ما تفرضه مسالك الدّنيا من تنازلات صغيرة، صامتة، لا نسمّيها هزائم كي نستطيع احتمالها.
غير أنّ الذّاكرة، كلّما أوهمتني بأنّها تمنحني صورة متماسكة عن نفسي، باغتتني بثغراتها. فجأة، تتساقط المسلّمات واحدة واحدة. أكتشف أنّ ما حسبته اختيارات واعية، لم يكن في كثير منه سوى محاولات نجاة، وأنّ قرارات افتخرت بها سرّا، كانت، في جوهرها، ردود فعل خائفة، أو مساومات مؤجّلة مع واقع لم أكن مستعدّا لمواجهته وجها لوجه.
تعلّمت متأخّرا أنّ الإنسان لا يعرف نفسه حين يفعل، بل حين يتذكّر لماذا فعل. وأنّ الذّاكرة، على قسوتها، ليست خزانة حنين، بل مرآة مشروخة، تعكس ما نحبّ وما نتفاداه في آن واحد. هناك أفهم أنّني لم أبن نفسي دفعة واحدة، ولم أصل إليها بخطّة واضحة، بل تشكّلت على مهل، من تراجعات صغيرة، ومن قرارات مؤجّلة، ومن صبر لم أكن أسمّيه صبرا وقتها.
صرت ما أنا عليه، لا لأنّي كنت الأقوى، بل لأنّي تعلّمت البقاء واقفا، ولو بانحناءة خفيفة، كلّما اشتدّت الرّيح. تعلّمت أن أترك للذّاكرة حقّ ضجيجها، ما دامت، في النّهاية، تعيدني إليّ، ولو متعبا، ولو مثقلا، لكن أكثر صدقا، وأقرب إلى نفسي ممّا كنت.
رشدي الخميري/ جندوبة/ تونس
تعليقات