📁 أخر المشاركات

أمل رغم الفوضى - رشدي الخميري

 


أمل رغم الفوضى

تضطرب الأنفس حين تختلّ بوصلتها، وتتخاصم القلوب بعد أن كانت بالأمس متلاحمة كأغصان شجرة واحدة تتقاسم الضّوء والمطر. ويأتي المدبّر ، ذاك الّذي لا يرى إلّا في غمرة الفتن ، فيرمي بينهم شراكا واهية، لكنّها محكمة بما يكفي لتصطاد الطيّبين من حيث لا يشعرون.
فتسقط فيها الإخوة، رغم أنّ ما يجمعهم في الأصل أمتن من كلّ رباط، وأقوى من كلّ عهد حفظته الذّاكرة في زواياها المضيئة.
داخل الشّرك تبدأ الأفكار بالتّناطح، وينسلخ كلّ عن جذره الأوّل، ويتشبّث بخيط أوهن من خيط العنكبوت، متوهّما نجاته ولو كان الثّمن أن يدوس أخاه. ويبقى المدبّر جالسا على حافة الفوضى، يتفرّج ويبتسم، ثمّ يضع قوانين للخروج من الورطة الّتي أوقعهم فيها: تنافس يصفه بالشّريف، بينما هو في الحقيقة صراع تبرّر فيه الغاية بكلّ وسيلة، فيصبح المحرّم بلغة العقل والقانون، مباحا تحت ستار اللّعبة الجديدة.
وتنطلي الحيلة على الإخوة؛ فيتضاربون، ويتسابّون، وينزّل كلّ منهم على الآخر قوانين اللّعبة الطّارئة. فيجدون الرّوابط القديمة واقفة خلف الأسوار، كأنّها غريبة عن المشهد، وكأنّ ما دأب عليه النّاس من مروءة ونبل قد هجّر من حياتهم.
أين تلك الرّوابط؟
أين الحكمة الّتي تهذّب ردود الأفعال؟
وأين العقل ليستقبل كلّ جديد بميزانه؟
أسئلة لو عرضت على حاسوب مع شيء من معطياته الثّابتة، لتعطّل ورفض العمل حتّى تستقيم الصّورة أمامه. فكيف للآلة أن تفهم ما لا يفهم؟ وكيف لها أن تفسّر واقعا غابت عنه العاطفة، وسقط عنه التّعقّل، وغيّبت منه القيم الّتي رافقت أوّل اجتماع للبشر؟
أهو قانون الغاب يعود بوجهه القديم؟
أم نحن أمام ممارسة تسقط خارج نطاق التّواصل الإنسانيّ، خارج الاتّفاق الأوّل حين تعب النّاس في رسم شروط البقاء المشترك، شكل من العيش يليق بمن طبعوا على الاجتماع؟
هل يمكن لفتات لحم رخيص، أو قطعة حلوى لوّثتها يد مدبّر مترصّد، أن تفتّت روابط صاغها النّاس حول الأرض واللّغة والثّقافة؟
هل يعقل أن يتحوّل الشّرك الواهي إلى سيف يشقّ صفوفهم، فيتوهّمون أنّ الفرقة قوّة، وأنّهم أسود في غابة، بينما هم لا يحكمون الغابة بل يتلقّون فيها الأوامر من أسود آخرين لا يظهرون إلّا عند ابتزاز المتنافسين داخل الفخ؟
ومع كلّ ذلك العتم، يظلّ في القلب ضوء صغير لا يراه إلّا من أرهقته الفوضى واشتاق إلى صفاء أقدم. بصيص يشبه نداءا خافتا يعيد الرّوح إلى جذورها الأولى، إلى تلك اللّحظة الّتي أدركت فيها أن الإخوة لا يفرّق بينهم مهما ضاقت الشّراك، ولا تطفئ صدقهم قوانين وضعت على عجل. وكما تتسلّل نبتة خضراء بين حواف صخر صلد، تتسلّل الحكمة من بين شقوق هذا الصّراع، وتعيد للقلوب لغتها القديمة، وتذكّرها بأنّ ما بني على محبّة صادقة لا تهدّمه يد مدبّر، ولا فخّ ينسجه الظّلام.
فهناك دائما متّسع لعودة هادئة، لالتئام يليق بمن عرفوا يوما معنى الضّوء.
رشدي الخميري/ جندوبة/ تونس
تعليقات