📁 أخر المشاركات

بين الريشة والقلم… بسمة الطهاري تعترف: الكتابة قدري الذي لا أهرب منه - حاورها سعدون التميمي

 بين الريشة والقلم… بسمة الطهاري تعترف: الكتابة قدري الذي لا أهرب منه


ليست بسمة الطهاري اسماً يمر عابراً في المشهد الثقافي، بل حالة إبداعية تتشكل عند التخوم الفاصلة بين الألم والجمال، بين الريشة والقلم، بين الأمومة بوصفها قدراً والكتابة باعتبارها خلاصاً. في هذا الحوار الخاص مع مجلة بويب الثقافية، لا تفتح بسمة دفاترها فحسب، بل تفتح قلبها أيضاً، وتدع القارئ يعبر ممرات ذاكرتها الأولى: من تلميذة تلصق قصصها على أوراق وتزينها برسومات الرصاص، إلى روائية تحول الوجع الشخصي إلى نص إنساني باذخ، وتكتب الأمومة لا بوصفها عاطفة فقط، بل تجربة وجودية كاملة. هنا تتجاور العزلة مع الموسيقى، واللون مع الجملة، والخيال مع صدق السيرة، لتكشف بسمة الطهاري عن مشروع إبداعي يرى في الكتابة فعلاً أخلاقياً، وفي الرواية محاولة جادة لخلخلة الداخل الإنساني وإعادة ترميمه. هذا الحوار ليس أسئلة وأجوبة بقدر ما هو اقتراب حميم من امرأة تكتب لأنها لا تستطيع إلا أن تكتب، وترسم لأنها ترى العالم لوحة قابلة للتأويل والإنقاذ.

________________________________________________

حوار مع الكاتبة والروائية والفنانة التشكيلية بسمة الطهاري

مجلة بويب الثقافية

حاورها | سعدون التميمي

قبل أن نقترب من بسمة الكاتبة، من هي بسمة الإنسانة كما تحب أن تقدم نفسها بعيدا عن الألقاب والتصنيفات؟
بسمة هي أنثى تضج بالحياة ،إيجابية وعاشقة الرسم والموسيقى وللجمال والخير وهي أم مفرطة بالأمومة وإبنة بارة وصديقة جيدة .
هل تتذكرين اللحظة الأولى التي شعرت فيها أن الكتابة لم تعد هواية عابرة، بل قدرا لا فكاك منه؟
نعم وقد كان ذلك منذ سنوات طويلة حين كنت تلميذة بالثانوي وكنت أكتب قصصي على الأوراق ثم ألصقها وأتخير عنوانا كبيرا وأرقم الصفحات وأرفقها بصور قلم الرصاص، اكتشفت ساعتها بأنني أعشق الكتاب وأريد أن أصنعه وأن فعل الكتابة قد تجاوز الهواية إلى كونه قدرا محتوما
متى بدأت علاقتك بالكلمة المكتوبة؟ وهل جاءت الكتابة إليك صدفة أم كنت تسيرين نحوها دون وعي؟
بدأت من سن مبكر إذ كانت نصوصي وخواطري تنشر على جريدة الصدى التونسية ،لقد كنت أسير نحو الكتابة دون وعي
من كان أول من انتبه إلى موهبتك، ونظر إليك بعين الإعجاب، وصفق لكِ دون تردد؟
كان أول من انتبه لي هو أستاذ اللغة العربية الفاضل رشيد اللافي ،إذ كان يحتفظ بنصي في مادة الإنشاء ليطلع عليه بقية الأقسام وكان يشجعني دوما ويثني على أسلوبي في الكتابة.
هل كان التشجيع الذي تلقيته في بداياتك كافيا، أم أنك شققت طريقك رغم الصمت والخذلان؟
أبدا ،لم يخذلني القلم مرة واحدة إذ كان دوما يثير الاعجاب وقد كان يكفيني تشجيع والدي رحمه الله فقد اكتشف موهبتي المبكرة .


روايتكِ "عشقته متوحدا" تحمل عنوانا مكثفا ودالاً، كيف ولد هذا العنوان، وما الذي يخفيه من وجع أو نور؟
عنوان "عشقته متوحدا " جاء بعد اكتشافي أن وراء الألم والمحنة منحة عظيمة ،فقد زاد طفلي المتوحد تأجيج عواطفي وجعلني باذخة الأمومة وعلقني به فعوضني عن كل خذلان وكأنه يقول لي أنا العشق الوحيد الصادق.
هل الرواية عندك فعل بوح شخصي، أم محاولة لفهم العالم وإعادة تركيبه ؟
الكتابة هي بوح إذ يحمل القلم أعماقنا السحيقة دوماً وهي أيضا تعرية لجراح المجتمع ومحاولة نكأ هذه الجراح ومعالجتها وإحداث التغيير والإصلاح فالكتابة الأدبية تحمل هذه الرسالة الخييرة دوما
إلى أي مدى تتقاطع التجربة الذاتية مع الخيال في نصوصك السردية؟
في نصوصي يتغلب الذاتي دوما علي التخييل لذلك يبدو صادقا جدا .
بصفتك فنانة تشكيلية، ما الذي أضافه الرسم إلى كتابتك الروائية، وما الذي أخذته الرواية من اللوحة؟
القلم والريشة هما حبيبان لا يفترقان أبدا فوق دفاتري، فهما يحملان نفس النزف ونفس الحلم وكلاهما يشي بي وشاية مشروعة ولذيذة فوق لوحة او بين سطور نص باذخ يتجلى فيه كل ما سقط في دهاليز ذاكرتي .
هل ترين أن اللون يمكن أن يتحول إلى جملة، وأن الجملة قد تصبح لوحة؟
فعلا فاللون بجميع تدرجاته هو جمل منضودة ، والجمل الحبلى بالمعاني هي لوحة جميلة ومعبرة .
أيهما يسبق الآخر في لحظة الخلق لديك: الفكرة أم الإحساس؟
الإحساس يسبق الفكرة دوما فهو الخلاق ، كما في روايتي " عشقته متوحدا " إذ لم يكن النص فكرة بل كان احساسا يحمل كل التناقضات الجميلة وهو من شيد تلك النصوص .
هل كتبت الشعر يوما؟ وإن لم تنشريه، هل لا يزال يسكنك كسر داخلي؟
كتبت الشعر مرارا وذيلت به نصوصي الأدبية في مجموعتي القصصية التي ستصدر قريبا بعنوان "فرسان الرمل" وكانت الأشعار فيه على منوال الأشعار الجاهلية نظمتها بحوشي .
..اللفظ أحيانا وجعلتها في قالب حكمي .
بالنسبة للكسور الداخلية فهي تسكنني منذ البداية والعجيب أنها نفسها من رممني وصنع مني شخصية قوية .
كيف تتعامل بسمة الطهاري مع العزلة، وهل هي شرط من شروط الكتابة لديك؟
نعم فالعزلة شرط أساسي بالنسبة لي حين أكتب وحين أرسم ، فلحظة الخلق والإبداع يلزمها عالم خاص وطقوس معينة ولكل فنان طقوسه، وأنا رغم أنني اجتماعية إلا أنني أعشق العزلة حين أراود القلم والريشة.
ما الطقوس التي ترافقك أثناء الكتابة؟ وهل للمكان دور في ولادة النص؟
غالبا ما أكتب نصوصي. في صمت مطبق فتزعجني أبسط الأصوات عكس لوحاتي التي أتممها على موسيقى فريد الأطرش أو مقطوعات بافاروتي .
والمكان مهم جدا فهو بمثابة عالم خاص جدا قد يلهمك ويجعلك تبدع سواء كان مكانا مفتوحاً كطبيعة غناء أو مكتبا مغلقا فيه خلوة مع الذات .
إلى أي المدارس أو التيارات السردية تميلين، وهل تؤمنين أصلاً بفكرة الانتماء المدرسي؟
أميل إلى تيار الوعي الذي يحاكي أغوار الشخصية من الداخل ويكشف خباياها ويحررها من عقدها. أما الانتماء للمدارس الأدبية فهو مهم جدا من حيث
تجديد الأدب و تطوير أساليبه


من هم الكتاب أو الفنانين الذين شكلوا وعيكِ الجمالي، دون أن يقيدوا صوتك الخاص؟
الكاتب المصري إحسان عبد القدوس ويوسف السباعي ونجيب محفوظ هم بعض من شكل وعيي الجمالي في سن مبكر لكن ظل لي صوتي الخاص الذي ظل يحمل طوابعهم دوما .
كيف تنظرين إلى المشهد الروائي التونسي اليوم؟ وهل يعيش لحظة ازدهار أم ارتباك؟
يشهد المشهد الروائي التونسي انتعاشا مدفوعا بالتنوع الفني، وظهور تيارات تجريبية قوية، وتناولا عميقاً للتاريخ والمجتمع، خاصة بعد الثورة، حيث أصبحت الروايات تناقش قضايا مهمشة وتجارب شخصية بجرأة، مع مزج بين الواقع والخيال
برأيكِ، هل حظيت الرواية التونسية بما تستحقه من حضور في منصات التتويج العربية والدولية ؟
الرواية التونسية في مرحلة ازدهار، وتحظى باهتمام وتفاعل كبيرين، سواء من القراء أو النقاد، محلياً وعربياً ، مع حضور لافت في الساحة الدولية ،اذ هناك طفرة كمّية في الشعر والرواية والقصة القصيرة وارتفاع في عدد الجوائز خلال السنوات الأخيرة..
وهل القارئ التونسي منصف بما يكفي للنتاج الروائي المحلي؟
أظن أن القارئ التونسي بدأ يعطي للنتاج الروائي المحلي حقه في الٱونة الأخيرة مع ظهور أقلام جديدة ومختلفة والتشجيع على القراءة والترغيب فيها ..
المرأة الكاتبة في تونس، هل تكتب بحرية مطلقة، أم ما تزال تواجه رقابة ناعمة وغير معلنة ؟
تتمتع الكاتبة التونسية بحرية وتعبّر عن قضاياها بقوة، مقارنة بالعديد من الدول العربية، لكن السعي نحو المساواة الكاملة والتغلب على التحديات ما زال مستمراً.
هل شعرتِ يوما أن كونكِ امرأة أثر في تلقي أعمالك نقديا أو إعلاميا ؟
بكل تأكيد أثر ذلك في تلقي أعمالي نقديا وإعلاميا فالأنثى مبجلة دوما وملفتة ناهيك عن بذخ قلمها .
ما الحدود التي لا يمكن أن تتجاوزها بسمة الطهاري في الكتابة، إن وجدت؟
هناك حدود لا يمكن أن أتجاوزها في الكتابة وهي بالأساس حدودا أخلاقية.
كيف تتعاملين مع النقد، خاصة حين يكون قاسيا أو غير منصف؟
أتقبل النقد القاسي اذا كان بناء فهو يدفعني إلى الاصلاح والتحسين و الإبداع
هل شاركتِ في ندوات أو ملتقيات أدبية وثقافية داخل تونس أو خارجها؟ وما الذي أضافته لكِ هذه التجارب؟
شاركت في بعض الملتقيات الأدبية في تونس وكان كل لقاء يجعلني أنفتح أكثر على من حولي ويدفعني إلى التعمق أكثر في الكتابة ، وأتمنى أن أشارك في ملتقيات خارج تونس.
أي لحظة شعرت فيها أن اسمك بدأ يقرأ لا يهمس به فقط؟
شعرت بذلك حين انتهت نسخي سريعا وتلقيت طلبات كثيرة من القراء
ما أكثر سؤال صحفي طرح عليك وأزعجك، وما السؤال الذي تمنيتِ أن يطرح ولم يحدث؟
في الحقيقة لم أتلقى سؤالا مزعجا وكم تمنيت أن أسال عن أحلامي العريضة
هل تؤمنين بأن الرواية قادرة على تغيير الإنسان، أم على الأقل خلخلته من الداخل؟
إن العمل الأدبي الذي لا يزعزع بعض الثوابت داخلك ويجعلك تعيد النظر فيها قصد الإرتقاء هو مجرد كلمات تكتب
إلى أي حد تكتب بسمة الطهاري للقارئ، وإلى أي حد تكتب لنفسها؟
كل ما أكتبه هو للقارئ وكأن بسمة الطهاري تنسكب أمامه حبرا ثم تتشكل في كل وجوه بطلاتها
هل تخافين من نفاد الأفكار، أم تؤمنين بأن الحياة أكثر سخاء من أن تخذل الكاتب؟
كيف لمن تربت بين أشجار الزيتون وبيادر القمح أن ينفذ زادها وهو يحمل مع كل حبة زيتون أو قمح ذكرى ؟
إن خصوبة الذاكرة الوفية إلى ريفها لن ينضب رحيقها أبدا
ما المشروع الذي يشغلك الآن: رواية جديدة، تجربة تشكيلية، أم مغامرة إبداعية مختلفة؟
أنا بصدد إنهاء رواية بعنوان رموش الغزال بطلتها قريبة مني جدا ومجموعة قصصية بعنوان فرسان الرمل مختلفة تماما من حيث البيئة وطريقة الكتابة
هل هناك تيمة أو سؤال وجودي تلاحقينه في كل أعمالك دون قصد؟
ربما هو السؤال الوجودي الشائع
ما الإرث الذي سأتركه ؟
كيف ترين مستقبل الكتاب الورقي في زمن السرعة والمنصات الرقمية ؟
أظن أن الكتاب الورقي سيتكيف مع نمو الكتب الالكترونية ومرونة الوصول إليها وسيبقى رغم ذلك مفضلاً لدى محبي التجربة الحسية، إذ أن القارئ الجيد يغريه ملمس وشكل ورائحة الورق
ما النص الذي تتمنين لو أنك كتبته، ولماذا ؟
تمنيت أن أكتب "ذاكرة الجسد" لأحلام مستغانمي
عمل يبدو لي رهيبا وفيه مفارقات تغريني ، وتماهي بين الذات و الوطن والحب والموت .
لو عاد بكِ الزمن إلى البدايات، هل كنتِ ستختارين الطريق نفسه؟
لو عاد بي الزمن إلى البدايات لاخترت ان أشق طريقي منذ الصغر وأن لا يشغلني عن الكتابة أي ظرف ولن أنتظر جرحا أعمق حتى أتفجر سطورا.
أخيرا، ماذا تقول بسمة الطهاري للقارئ الذي لم يلتقِ بعد بنصوصها ؟
حاول أن تلتقي بي فلعلك تجد نفسك بين سطور طفولتي الباذخة .
أنا من حولت دخان الحطب في قريتي إلى عطور فخمة وجعلت من عشوش اليمام قلاعا
وحولت أنين الفقر إلى سمفونية حالمة ..
________________________________________________

تغادر بسمة الطهاري هذا الحوار كما دخلته: صادقة، مشتعلة، ومؤمنة بأن الذاكرة الريفية، مثل شجرة زيتون عتيقة، لا تبخل بزيتها أبداً. بين عشقته متوحداً ورموش الغزال وفرسان الرمل، يتضح أن مشروعها الإبداعي ليس سباقاً نحو التتويج، بل سعي لترك أثر إنساني نبيل، إرث يشبهها: دافئاً، حراً، ومجبولاً بالأخلاق والجمال. هي كاتبة ترى في القارئ مرآتها الأخرى، وتؤمن بأن النص الحقيقي هو ذاك الذي يربكك قليلاً، ويجعلك تخرج منه شخصاً آخر. ومع بسمة الطهاري، ندرك أن الكتابة حين تولد من الإحساس، لا تشيخ، وأن الحبر حين يستخرج من الوجع، يتحول كما تقول إلى عطر فخم، وإلى قلعة تقف في وجه النسيان.

سعدون التميمي



تعليقات