📁 أخر المشاركات

طائرة ورقية - مجيدة محمدي



طائرة ورقية
مجيدة محمدي

في حقل أخضر فسيح، كنتُ أركض كأن الأرض تُفتح لي طريقًا من ضوء. جدائلي الشقراء تتطاير خلفي مثل أثرٍ من موسيقى، وذراعاي تمتدان كجناحين طليقين، يصافحان الهواء ويستدرجان النسيم إلى لعبة سرّية. كان فستاني الصغير، المُزهر كحديقةٍ مصغّرة، يرتفع بخفّة كلما قفزتُ، كأنه هو الآخر يريد أن يطير.
لم أكن أعرف لماذا يلمع العالم كله بتلك الطريقة، ولا لماذا كان العشب يضحك تحت قدمي. كل ما كنت أعرفه أن شيئًا ما في روحي يتّسع، كما لو أن طفولتي تتحوّل إلى طائر يريد أن يفلت من قبضتي.
ثم رأيته… خيطٌ طويل ، يمتدّ بين العشب كأن الأرض تبوح بسرّها. انحنيتُ نحوه ، لامسته برعشة دهشة ، ثم بدأت أتتبعه. كان ينساب أمامي كنبضٍ خفيّ… حتى انتهى فجأة إلى طائرة ورقيّة ترتجف في السماء. قبضتُ على الخيط بقوّة ، ورفعتُ الطائرة أعلى… أعلى… كانت ترتفع كلما تشبّثتُ بها ، وكأنها ترفعني معها ، تجذبني إلى سماءٍ أعشقها ، و أريد بلوغها...
وفي اللحظة التي شعرتُ فيها أنني أكاد أغادر الأرض ، انقطع شيء ما.
فتحتُ عينيّ ،
لم تكن السماء فوقي ، بل سقفٌ أبيض باهت. ولم يكن الخيط في يدي ، بل طرف لحاف سريرٍ بارد . أنفاسي تتردّد في صمت الغرفة ، وأصوات أجهزة خافتة تطرق أذني كأنها خطواتٌ بعيدة.
نظرتُ إلى يدي المرتجفتين… ما زالتا تقبضان عليه كما لو أنه آخر ما تبقّى من ركضي بين الأعشاب.
هناك — عند حافة الوعي — كانت الطائرة الورقيّة تبتعد ، تتلاشى. وكنتُ أمدّ يدي نحوها ، لا لأمسك بها، بل لأمسك بتلك الطفلة التي ركضت في الحقل ذات يوم… الطفلة التي بدا لي، فجأة ، أنني ما زلت ألاحقها منذ زمنٍ طويل.
طفولتي… كانت هي الطائرة الضائعة. وأنا — هنا ، على سرير المستشفى — لم أكن سوى امرأة تُحاول أن تستعيد خيطها الأخير قبل أن يضيع في الريح...

تعليقات