قراءة حفريّة للناقد والأديب الكبير . خالد الحديدي في قصيدة "ريثما… تتفوّه الروح" للشاعر المصري الكبير.عباس محمود عامر.
شذرات حرة
=======
ريثما .. تتفوَّه الروح
-------------
الشاعر.عباس محمود عامر
"مصر"
الوردة أيقونة في الروح
لا تعرف الذبول ولا الزوال
والعبير أصدق عندما ينعش النبض فينا
يعيدنا إلى القضبان من جديد
هل تسعنا رحابة السماء والأرض؟
لتتمطى الغصون التي رسخت
في قاع الزمان والمكان
كان غيابك بين الضباب
وبين السديم
ظلت روحانا تتعانق دون أن ندري
في البرزخ البعيد الذي خبأها
من الصواعق التي تطارد حلمنا
نتذكر الشهب التي احترقت
وتساقطت على قطارنا
كم فقدنا من الخلايا في النخاع
والأيام الضحايا
أضعفت مسار الضوء في سبيلنا الأثير
قطيفة الوردة شرائح من الضوء
مازالت تراودني
تلفني علي أرائك النجوم في العلاء
أضم شعاعك بين ضلوعي
أداعب جدائل الشمس
واصفرارية تنسدل على قمرك
تعيد اكتمال الهلال
في منتصف التقويم الهجري
تتأكسد ذكوة الشغف
في رغبة الليل الغجري
أراوغ اللآلي في عينيك
وفي ضمة الشفاه
على أوراقك الناعمة
يسحرني غصنك البان
في شجرة الروح
تستعر تفاحة الشمس في أنوثة النار
تهتاج في أبلجية الظهيرة
حينما يضمها النهار
بين شهقة الأنين
ولوعة الآه
ريثما تتفوَّه الروح.
*********
وفق منهج الحفر الثقافي الجدلي ليس هذا النص الشعري بنية لغوية تكتفي بتركيب الجمال، ولا هو استرسال من الحسّ العاطفي؛ بل هو تموّج روحي يستجمع عناصر الكون ليعيد ترتيبها داخل الذات.
منذ السطر الأول، يبدأ الشاعر من نقطة لا يمكن القبض عليها بسهولة:
"الوردة أيقونة في الروح لا تعرف الذبول ولا الزوال."
الوردة هنا ليست نباتًا، ولا رمزًا جاهزًا، بل مركز الوعي الأول، الطبقة التي تسبق كل خطاب، وتشكّل أصل المعنى.
إنها النواة التي تتخفّى فيها الروح قبل أن تدخل في اللغة، وهي منطقة الصفر التي يبدأ منها النص كي يصوغ صوته الداخلي.
وفي انتقال هادئ لكنه مشحون بالدلالة، يصبح "العبير" أكثر صدقًا حين "ينعش النبض فينا".
العبير ليس رائحة، بل أثر الوجود حين يتحرك فينا.
هنا يدخل النص إلى ما يمكن تسميته بـ الطبقة الصامتة:
المنطقة التي لا تنطق فيها الروح بالكلمات، بل تُفصح بارتعاشة نبض أو بوميض شعور.
فالعبير ينعش النبض لأنه يعيد الإنسان إلى أصل تكوينه، إلى تلك اللحظة الماورائية التي تلتقي فيها الحياة بالمعنى.
ثم يقول الشاعر:
"يعيدنا إلى القضبان من جديد."
القضبان ليست سجنًا، بل هي حدود الوجود، العلامات التي يتراجع إليها الإنسان عندما تكشفه الحياة.
هنا يبدأ النص في صيغته الجدلية:
الروح تتسع، لكن الوجود يضيّق عليها؛
والنبض ينتعش، لكن العودة إلى القضبان تفصح عن صراع خفي في البنية العميقة للوعي.
بهذا التوتر تتشكّل ملامح العصب الجدلي في النص؛
العصب الذي يجعل القصيدة تتحرك بين قطبين متصادمين:
الانبعاث والانطفاء،
التحرر والانشداد،
النبض والقيد.
وحين يسأل الشاعر:
"هل تسعنا رحابة السماء والأرض؟"
فهو يضع النص في نقطة لا تنتمي إلى الشعر وحده، بل إلى أسئلة الوجود.
إنّه سؤال يحفر تحت طبقة اللغة ليكشف:
هل العالم أضيق من الروح؟
هل تتجاوز الذات حدود الطبيعة؟
هل يمكن للإنسان أن يقيم داخل كونٍ لم يُصنع على مقاس شغفه؟
إن السؤال هنا ليس جملة، بل شحنة وجودية تبحث عن مخرج من ضيق المعنى.
تتتابع الصور، فيتمطّى الغصن، ويرسخ في "قاع الزمان والمكان".
الغصن ليس نباتًا، بل امتداد الروح نحو الأعلى،
وجذورها ليست في التربة، بل في ذاكرة الوجود.
هنا يدخل النص إلى ما يمكن تسميته بـ التاريخ الخفي للروح، تلك الذاكرة التحتية التي تختزن صدمات الزمن واتساع العمر.
فالروح عند الشاعر متجذرة في نقطة لا يطالها الزمان ولا المكان، كأنها أعمق من الجغرافيا وأقدم من اللحظة.
يتصاعد النص إلى مساحة أكثر ظلالًا:
"كان غيابك بين الضباب وبين السديم."
الضباب ليس حالًا من الغياب، بل تشوّش الوعي عند حافة الألم.
السديم ليس غيابًا ماديًا، بل غيابًا كونيًا،
غيابًا يضع العلاقة مع الآخر في منطقة بين-بين،
حيث لا حضور كامل ولا غياب كامل،
بل برزخ تتعانق فيه الأرواح دون إرادة منها.
وهذا البرزخ هو بؤرة الحفر التي يكشف فيها النص تحوّلاته؛
فهو ينفذ إلى المساحة التي لا ترى، ويجعلها أصل الرؤية.
ثم تتوالى الانكسارات الوجودية:
"الشهب التي احترقت وتساقطت على قطارنا."
الشهب ليست نجومًا متساقطة، بل ذكريات محترقة،
أحلام خبت قبل اكتمالها،
ومسارات ضوء انطفأت قبل الوصول.
وهذا الاحتراق ليس ظاهرة كونية، بل صدمة في نسيج الذاكرة.
فالقطار هنا ليس وسيلة نقل، بل رحلة الحياة نفسها،
يتساقط عليها الضوء المنطفئ كالتذكير بأن المسار لم يكن مستقيمًا ولا آمنًا.
وتأتي ضربة النص الأقوى في قوله:
"كم فقدنا من الخلايا في النخاع."
النخاع هو مركز الحياة، منطقة السرّ البيولوجي والوجودي،
وحين يُفقد فيه شيء، فهو فقدان للجوهر ذاته.
بهذا التحوّل يصل النص إلى عمق الطبقة التحتية للذاكرة،
حيث لا يعود الإنسان يتذكّر ما جرى، بل يتذكّر ما جُرح،
ويتذكّر ما لم يعد قادرًا على استعادته.
ثم ينحرف النص إلى ضوء آخر:
"قطيفة الوردة شرائح من الضوء."
تتحول الوردة إلى ضوء،
والضوء إلى شرائح،
والشرائح إلى ذاكرة جديدة.
هنا يُعيد الشاعر بناء البصمة الثقافية للنص:
فصور الضوء والوردة والنجوم تستدعي إرثًا روحيًا وفلسفيًا طويلًا،
يمزج بين شفافية الوجود وعمق الجسد،
بين إرث الصوفية وإشراقات الروح الشعرية.
ويتجلّى التحوّل الوصائي حين يقول:
"أضم شعاعك بين ضلوعي."
الضلع ليس عظمًا، بل حافظة الروح.
والشعاع ليس ضوءًا، بل أثر الحبيب،
حضور الآخر في مركز الكيان.
هذا الضمّ ليس فعلًا عاطفيًا، بل وصاية الضوء على الجسد،
وصاية تجعل الذات في حماية ما هو أعلى منها وأشد إشراقًا.
ويسير النص في اتجاه أكثر اشتعالًا:
"تستعر تفاحة الشمس في أنوثة النار."
التفاحة ليست ثمرة، بل رمز الخطيئة الأولى،
والشمس ليست نجمًا، بل قلب العالم.
وهذا الاستعار بين التفاحة والنار يفتح النص على جدلية الرغبة والاحتراق.
هنا يصل النص إلى مستوى النص الصادم:
فالمشاهد لا تعبّر عن جمال فقط، بل عن غليان داخلي،
عن رغبة تُشعل ذاتها حتى تحترق.
وفي النهاية، يصل النص إلى صمتٍ لا يشبه الصمت:
"ريثما تتفوّه الروح."
هذه العبارة ليست خاتمة، بل مفتاح كل ما سبق.
فالروح لا تتفوّه إلا بعد أن تخترق اللغة كل طبقاتها،
وتجتاز الضوء والنار والضباب والسديم،
وتصل إلى النقطة التي يعود فيها الإنسان إلى أصل صوته.
إنها لحظة تسبق الكلام وتتجاوز المعنى في الوقت نفسه،
لحظة يتكلم فيها الكائن من عمقه، لا من سطح وعيه.
هكذا تكشف القراءة أن النص ليس قصيدة حب، ولا تأملًا وجوديًا،
بل تنقيبٌ مستمر داخل مخزون الروح،
يتقاطع فيه الجسد مع الضوء،
والرغبة مع الذاكرة،
والضباب مع الشغف،
والأرض مع السماء،
حتى يتكوّن في النهاية صوت واحد:
الصوت الذي لا يُقال إلا عندما تتفوه الروح.
المصدر يوميات نصرة محمد

اترك تعليقا يدل على انطباعك ورأيك بالموضوع