حين عاد المطر إلى إسطنبول
ميرفت القابسي/ تونس
الفصل الاخير
كانت إسطنبول تُغنّي من جديد.
شهر تشرين الثاني، المطر يلامس الأرصفة القديمة في كاديكوي،
وأصوات العازفين تمتزج مع هدير البحر في الميناء.
جلست علياء في مقهى صغير يطل على البوسفور، ترتشف قهوتها ببطء.
كانت ترتدي معطفًا رماديًّا وشالًا أبيض يشبه السلام.
عامٌ مرّ منذ عودتها الأولى،
عامٌ من التوازن، الكتابة، والهدوء الذي علّمها كيف تُحب نفسها دون خوف.
رفعت عينيها من الكتاب،
فالتقت بنظرات رجل يقف عند الباب.
لم يكن وجهه غريبًا…
إنه أبو لو.
نظراته كما هي:
هادئة، عميقة، تشبه سماء إسطنبول قبل المطر.
اقترب بخطواتٍ مترددة،
ثم قال بصوتٍ خافت:
"ما زلتِ تفضلين القهوة التركية بلا سكر."
ابتسمت دون أن تنهض،
وقالت:
"وما زلتَ تتهرّب من المقاهي المزدحمة."
جلس بصمت.
لم يكن بينهما عتاب، ولا أسئلة.
الغياب الطويل صقل الكلام،
حتى أصبح الصمت بينهما أكثر صدقًا من أي حوار.
بعد لحظة، قال وهو ينظر إلى البحر:
"كلما نزل المطر هناك، كنتُ أتذكرك. لا أدري لماذا."
أجابت بهدوء:
"ربما لأن المطر وحده لا يخاف النزول."
ابتسم للمرة الأولى، ابتسامة حقيقية.
تحدثا عن الحياة، العمل، والدروب التي فرّقت بينهما ثم أعادت نسج الصدفة.
لم يقل إنه اشتاق،
لكن عينيه قالتها بكل اللغات التي لم يتعلّمها.
حين وقفا ليغادرا،
قالت علياء وهي تنظر إلى الأفق الرمادي:
"إسطنبول لا تجمع الناس عبثًا."
أجابها:
"ولا تكرّر اللقاء نفسه مرتين، إلا إذا كان القدر ينتظر اعترافًا ناقصًا."
ضحكت بخفة،
ثم مشيا جنبًا إلى جنب في شارع مودا،
تحت مطرٍ خفيف، لا يحمل وعدًا،
بل دفئًا كافيًا ليفتح بابًا صغيرًا في القلب من جديد.
كانا يعرفان أن الحب لا يعود كما كان،
لكنه يعود أنضج، أهدأ، أصدق.
اترك تعليقا يدل على انطباعك ورأيك بالموضوع