📁 أخر المشاركات

مقدمة نقدية لكتاب "يُخلق من الشبه ياسمين" للشاعرة ميادة سليمان بين ومضات الشعر وبساتين الكلمات - عبدالله السمطي

 

مقدمة نقدية لكتاب ( يُخلق من الشبه ياسمين ) للشاعرة ميادة سليمان
بين ومضات الشعر وبساتين الكلمات



في أفق الكتابة الشعرية تتعدد مستويات الإبداع، ففن الشعر ليس مقتصرًا على الشكل التقليدي الموروث، وليس هو تلك الصيرورة التعبيرية القادمة من العصور الماضية، بل هو فضاء جماليّ متجدد بتجدد الحياة والعالم، وبتجدد الرؤى الإنسانية المتشوفة، التي تتبصر بالأشياء والوجود بحواس أخرى مغايرة، وبتخييل يختلف عن تخييل الأقدمين، وبإحساس بالعالم والطبيعة والإنسان والكون تشكله بيئات جديدة مغايرة غير البيئات القديمة، ومن هنا فإن الشعر يطّرد للأمام، ويعي لحظاته بخيال مختلف فيقدم بنى شعرية متعددة ومتنوعة بتنوع المراحل الزمنية والتاريخية والاجتماعية والحضارية.
من هنا، وفي ظلال هذه البداهة، فإن التعبير الشعري لا يتوقف عن التجديد، وعن ملامسة الأشياء في جوهرها ملامسة جمالية، وهذا ما تنهض به الشاعرة ميادة مهنا سليمان في كتابها الشعري الجديد : (يُخلَقُ مِنَ الشَّبَهِ يَاسَمِين)، وهو عبارة عن مجموعة كبيرة من الومضات الشعرية التي تأتزر بلغة مكثفة، وتتشح بأسلوب محدد يرمي إلى تشعير الأشياء والكائنات والتفاصيل اليومية، وتتطرز بأخيلة وصور وجماليات أحسب أنها تقترب تماما من الوعي القارئ، وتسعى إلى تحفيزه ليطل من خلال لغة طيعة ممتنعة معا، وبعبارات أكثر إحساسا بجوهر الذات وعلاقتها بالأشياء.
إن العلاقة الشعرية هنا ليست علاقة كلمة بكلمة، أو جملة بجملة، بل علاقة ذات بأشياء متنوعة، وفي ظل هذا الحذو تصبح الذات هي التي تسقط رؤاها ومبادئها الوجدانية – إذا صح التعبير – على الأشياء وعلى تفاصيل العالم.
في المستهل تهدي الشاعرة كتابها الشعري إلى" دمشق " مدينة دمشق التي طرزت ذكرياتها على فساتين طفولتي.. إلى قاسيونها الذي علم قامة قصائدي الشموخ، إلى ياسمينها الذي علمني أن أفوحَ شعرًا" هكذا المدينة العريقة تتسلل إلى العمق الذاتي للشاعرة، فتتشكل الكلمات وتفوح وتضوع، والشاعرة بهذا الإهداء الشاعري تضعنا أولا في قلب توجهها الياسميني الوجداني.
إن ميادة سليمان تقدم لنا في هذا الكتاب ( 200) ومضة شعرية، وإطلاق كلمة ( ومضة) لها دلالتها التي تشكل نسقًا محدّدا من الشعر ، هو هذا النسق القصير المركز الذي قد ينصرف إلى أداء معين من الكتابة، والبنى الشعرية القصيرة، ليست وليدة هذه اللحظة الشعرية، لكنها بنى تشكلت وتهيأت منذ القدم في الأبيات الشعرية القصيرة، وفي المقاطع، وفي البيت والبيتين اللذين يمكن أن يقالا في موقف معين أو حدث معين في الحياة، ولكن الشكل الحر للشعر، والشكل النثري أيضا ، أضفيا على هذا النسق من الكتابة قدرا من العمق، وقدرا من حيوية التشكيل الشعري الذي يوشحه التكثيف وتسمه الوجازة بقدر كبير من التركيز ، وتحدد الشاعرة مجال الكتابة في مئتي ومضة، في كلمة إلى القارئ تتصدر الكتاب بعد الإهداء:
هُنا مِئتا ومضةٍ
ورُبَّما..
مِئتَا ياسمينةٍ!
أرجو أنْ يُعجِبَكَ
فَوحُ أَحرُفي.
تقترن الومضات الشعرية بالياسمين، وكل له ضوع وفوح وعبق وعطر، وهو ما يجوهر الرؤية الشعرية هنا بالانبثاق المباشر الخاطف للدلالة الشعرية بسبب قصر المقاطع وبهجتها الدلالية الإيقاعية السريعة المعبرة.
كأنها وميض برقيّ يأخذ بالعيون والحواس معا إلى مشهده الخاطف.
هكذا نحن حيال نصوص تقدّ شعريتها بشكل ومضي، ربما تجاور مع الأبيجراما والهايكو والبرقيات الشعرية السريعة ، ولكنه يتسم بخصوصية ذاتية أكثر، وبالذهاب إلى البوح الوجداني الشفيف.
ومن النماذج الأولية للومضات في هذا الكتاب الشعري نرى كيف تحرك الشاعرة كلماتها، فهناك أنا شاعرة، وهناك آخر أو آخرون، وهناك رؤى وصفية جمالية، وهناك تقرير ووضوح ، كما أن هناك أسئلة وهواجس وتعبيرات عن اليومي والصغير وتفاصيل الحياة، لكن الكتاب يركز على ما هو رومانتيكي، ويركز على استشفاف الأبعاد الذاتية الوجدانية أكثر من تعميق الأبعاد الفلسفية، وطرح القضايا الإنسانية العامة، أو الكتابة عن قضايا الإنسان في الألم والقهر والسفر والحروب وما إلى ذلك من قضايا، الشاعرة تنأى بنصوصها عن هذه القضايا العامة، وتكتب شجونها الخاصة وأشواقها التي تطل من عوالم رومانتيكية أثيرة:
على خَشَبةِ الحُبِّ
يقِفُ كسَاحِرٍ جَميلٍ
يُمسِكُ قلبي
فيُخرِجُ منهُ
فراشاتٍ وقصَائدَ
*******************
كُلَّما
عزَفَتْ عَلى نَايِ الأُنُوثةِ
صَارتْ كِبرياؤُهُ ثُقوبًا
*******************
كَيفَ تَأتي
عَصَافيرُ الاشتِياقِ
إلى حَقلِ الحُبِّ
وقلبُكَ فَزَّاعَةٌ؟
*******************
كانَ بابُ قلبِها مُغلقًا
حَتَّى تَسلَّلَ إليها
بِقصِيدةٍ
*******************
أحِبُّ المطرَ كثيرًا
وأحِبُّ الصَّباحَ
لكِنِّي لمْ أحبَّهُ اليومَ
فهوَ مكفهِرٌّ
لا يُشبهُ وجهَكَ
*******************
حرَائقُ كَثيرةٌ
كانتْ سَتحدُثُ
لو تسرَّبتْ مِن قلبي
شرَارةُ اشتِياقٍ صَغيرةٌ
إلى غَاباتِ خِصَامِك
فكما يتبدى لنا من هذه المقاطع القصيرة أن الشاعرة تذهب إلى التصوير الوجداني الرومانتيكي المكثف الذي يعتني بحالات الحب، ورصد مكامن الجمال بمعجم شعري تطل منه كلمات الحب والقلب والذات، والآخر المحبوب، والطيور والعصافير والفراشات والطبيعة والاشتياق، في نصوص قصيرة جدا قد تصل إلى سطر واحد أو سطرين ، بل إلى جملة قصيرة كما في هذا النص:
كُلَّما
عزَفَتْ عَلى نَايِ الأُنُوثةِ
صَارتْ كِبرياؤُهُ ثُقوبًا
إن قيمة هذه النصوص القصيرة أنها تشكل قدرا كبيرا من اللوحات الفسيفسائية، التي تؤلف مشاهد كبرى من الفضاء الرومانتيكي إذا ما تمت قراءة الكتابة باعتباره نصا واحدا مطولا موزعا على نصوص قصيرة تشكل بناه المتتابعة وأعمدته الدلالية الصغيرة ، كما أنها قد تشكل أيقونات شعرية متجاورة، وعلى القارئ أن يلملم دهشاتها وكثافتها بشكل تأويلي معمّق.
وكلما تقدمنا في الصفحات التالية في الكتاب، عثرنا على نماذج تتوسع أكثر في استشفاف الفضاء الرومانتيكي الذي تطرحه الشاعرة ميادة سليمان، حيث الكلام، وصباح الخير والشموس العاطفية بل والقبلات والأحلام والرؤى، هي تجربة وجدانية متنوعة تتعمق أكثر في هذا الفضاء الإنساني الكبير : فضاء الحب، تقلنا معها إلى عالم شعري له رهافته الوجدانية من جهة، وله أبعاده الجمالية التي تسعى إلى تشكيل لوحة شعرية مكبرة مترعة بعوالم الذات وقيم الحب ومفردات الطبيعة لنتنقل ما بين ومضات الشعر وبساتين الكلمات .
( عبدالله السمطي – نوفمبر 2025)


تعليقات