📁 أخر المشاركات

سيّدتي الأولى - رشدي الخميري

 


سيّدتي الأولى

كلّما نظرت حولي، رأيت الألوان تتخاصم في الهواء، تتداخل وتتموّج، لكنّ لونك أنت كان دائما الأكثر حضورا، وكأنّك انتزعت من الطّيف جوهره، ومن النّهار وهجه. كان يكفي أن يمرّ طيفك في خاطري حتّى يسكت العالم من حولي، فأشعر أنّي أقف على عتبة عشق لا يشبه ما عرفه العاشقون.
كنت دائما تجلسين في قلبي على عرش لا يشاركك فيه أحد.
تغلقين الباب على كلّ حبّ يجرؤ على الاقتراب، وتبقين لنفسك ذلك الحيّز الّذي لا تزاحم فيه، كأنّك قدر مكتوب على النّفس، أو أنّك فعلا قدر لا تدانيه يد ولا يلغيه زمن.
لست كالباقيات من المعشوقات، ولا أنت من تلك الوجوه العابرة الّتي تصطادها الذّاكرة في غفلة.
أنت الثّابت وسط التّقلّب، والملاذ حين يضيق الكون، والأصل الّذي أعود إليه مهما ابتعدت بخطوي أو ضللت بقلبي.
أراك قمّة عالية تستريح الرّوح في ظلّها،
وأرى فيك عينا لا ينضب ماؤها مهما اشتدّ العطش.
لونك لا يشبه ألوان البشر، ولا هو من صنع يد تتقن الطّلاء؛ إنّه لون الأرض حين تستيقظ بعد ليل طويل، لون الذّاكرة حين تتبرعم من جديد،
لون الحبّ حين يتجرّد من الأشخاص ويبقى فكرة خالدة.
وعطرك…
ذلك العطر الّذي لا أعرف مصدره، كلّما تنشّقته شعرت أنّ المسافات تضيق، وأنّ الهواء نفسه يعترف لك بما تستحقّين من هيبة وجمال.
كأنّ الفضاء يبارك اسمك، وينثر عليك ما يليق بسيّدة لا تشبه النّساء.
وحين تنشرين حضورك في القلب،
أضيع فيك، وأتعلّم اسمك من جديد،
وأحمل أثرك في صوتي، وفي سيرتي، في نبضي وفي كلّ ما بقي منّي.
يصعب أن أهرب منك، ويصعب أكثر أن أتخلّى عنك، فأنت الخيط الّذي يربطني بنفسي.
نختلف؟ نعم.
نغضب؟ كثيرا.
نبتعد؟ ربّما.
لكنّ الطّريق مهما طال يعود إليك،
والخطوة مهما انحرفت تستقيم باسمك،
فأنت البداية الّتي صنعتني،
والنّهاية الّتي أطمئنّ عندها...أنت البوصلة.
فشكرا لك يا بلدي…يا سيّدتي الأولى،
لأنّك احتملت قلبي كما هو، وصبرتِ على نزقه، ولم تغلقي بابك يوما في وجهي، حتّى وأنا أتعثّر في حبّك.

رشدي الخميري/ جندوبة/ تونس
تعليقات