تقنيات "تيار الوعي" في الرواية النفسية "ما قبل القبر قبلة"
---
تقدّم لنا رواية "ما قبل القبر قبلة" عمقًا نفسيًا في إطار فلسفي ودلالي، معتمدةً أسلوب "تيار الوعي"؛ هذا الأسلوب السردي في الرواية الحديثة الذي يسعى إلى التقاط التفكير الداخلي للشخصيات، عبر تدفق الأفكار والمشاعر والذكريات كما تنبثق في لحظتها، في صورة متقطعة ومتشابكة، كما يحدث في العقل البشري.
تُعد شخصية البطل "أكرم" المركز الأساسي في الرواية، إذ يعيش صراعًا نفسيًا حادًا بسبب ذنبٍ ارتكبه، أو ربما يظن أنه ارتكبه، بينما تبقى حالة اللاوعي هي المهيمنة على المشهد لحظة وقوع الحدث.
إن الإحساس المتجذّر بالذنب ولّد صراعًا داخليًا انعكس على سلوك أكرم اليومي، فانسحب للعزلة والانطواء، مما أثار قلق والديه وحبيبته، وأثار أيضًا استهجان بعض زملائه الطلبة الذين واجهوه بالتنمر والسخرية.
---
أسلوب تيار الوعي وفعاليته وجماليته
اعتمدت الكاتبة "سمية المشتت" في بنائها السردي على عناصر تيار الوعي الأدبي؛ من غياب التسلسل الزمني، إلى التداعي الحر للأفكار والذكريات، وتركيزها على الحياة الداخلية للشخصيات أكثر من الأحداث الخارجية. وجاء استخدام "المونولوج الداخلي" إلى جانب الحوار الخارجي ليمنح الرواية طبقات دلالية إضافية لا يمكن الوصول إليها بالسرد الوصفي وحده.
> "يا الله، غيّرت بيتي، رقمي، ووجهي، لكن كيف أُخفي نفسي عنك؟"
بكى وهو يعصر الهاتف بين كفيه، كأنه يحاول خنق الذكرى. (صفحة 12)
ورغم ذلك، أتاحت تقنية السارد العليم مساحات سردية أوسع من حدود الشخصيات ومشاعرها، فامتد الوصف إلى الأمكنة والأزمنة والجمادات والكائنات.
> "الزنزانة كانت ضيقة، تكاد لا تتسع لأنفاسٍ كاملةٍ، كأنها ثقب صغير حُشر فيه الليل." (صفحة 84)
يتأرجح السرد بين الداخل والخارج، بين الوعي واللاوعي، عبر الأحلام والكوابيس والهلاوس.
كما أن اللغة الشعورية عكست قدرة الكاتبة على إبراز الدلالة الرمزية من خلال شخصيات وهمية تمثل انعكاسًا مُضمرًا لأكرم.
> "السجين الذي يشير دائمًا إليه لم يكن غريبًا.
كان هو! هو ذاته في هيئة أخرى، من زمن طُمر تحت جلد الذاكرة." (صفحة 85)
> "أقول الحقيقة التي لا تُقال.. أنا حين نظرت إلى وجهه، لم أرَ خالد، بل رأيتني أنا وأنت." (صفحة 120)
وبذلك تتشكل لدى المتلقي صورة ذهنية حسية، متماسكة دلاليًا، تنبثق من عمق التجربة الداخلية، لا من حكاية عنها.
> "وقف البقية خلفها لا يتكلمون؛ لأن الكلام في بعض اللحظات يدنس الطهر، والحزن لا يحتاج تفسيرا، بل شهودًا!" (صفحة 112)
> "تسند الأم رأسها إلى ظهر المقعد، تراقب الاثنين من بعيد، كأنها ترى حقلًا بدأ ينبت من شتلة حزن، لتتحول الحياة شيئًا فشيئًا إلى ما يشبه الوعد." (صفحة 61)
---
"ما قبل القبر قبلة" تعرّي هشاشة النفس حين تواجه الحقيقة. جاء الحب هنا ليكشف ما تبقى من أعماق الذات المختبئة خلف الأقنعة. وهنا تطرح الكاتبة سؤالها الأعمق: هل يتقبلنا الآخر كما نحن؟ وإن فعل، هل نستطيع نحن أن نتقبل أنفسنا؟
فشل التحول من الألم إلى وعي: قراءة النهاية
النهاية هنا – انتحار أكرم بعد لحظة الاعتراف – ليست حكمًا على الحب نفسه، بل على غياب القدرة على تحويل الألم إلى وعي. كان الحب حاضرًا، لكنه بقي مساحة اعتراف، لا مساحة شفاء. وهكذا تصبح النهاية نتيجة منطقية لذات لم تعبر ظلّها، ولم تستطع تحويل البوح إلى أفق جديد للعيش.
في الختام، نجحت الكاتبة في توظيف تيار الوعي لإبراز العطب النفسي، ومناورة الحدود بين الحقيقة والخيال، الوعي واللاوعي، ومنطقية الأحداث وتشظي الأفكار. استطاع السرد أن يجعلنا نتأمل في قدرتنا على التسامح مع أنفسنا، وفي إمكان المجتمع تقبل أخطاء الآخرين. وفي النهاية، يظل الله وحده العارف بضعفنا، القادر على منحنا الرحمة والغفران، وهو الحاضن الأخير لكل ما لم نستطع شفاءه بأنفسنا.
---



اترك تعليقا يدل على انطباعك ورأيك بالموضوع