رشدي الخميري … الرجل الذي يسافر في الأسئلة ويقيم في اللغة
في عالمٍ تتزاحم فيه الأصوات وتضيع فيه البوصلة بين ما يُقال وما ينبغي أن يُقال، يجيء صوتٌ هادئ كنسمةٍ تتسلّل بين ضجيج المدن، يحمل في نبرته صدق الباحث لا ضجيج المتفاخر… إنه رشدي الخميري، الرجل الذي اختار أن يسافر بين الأسئلة لا بين المنابر، وأن يقيم في اللغة بوصفها ملاذًا لا منصة، ورحلةً داخل الذات لا مجرّد ممارسة أدبية.
في هذا الحوار الخاص، نقترب من عالمه الداخليّ؛ من الطفولة التي شكّلته، ومن الشرارات الأولى للكتابة التي أضاءت مساره، ومن أسئلته الوجودية التي ما تزال تُرشده في دروب الإبداع. نرافقه بين ذكريات الريف، ونصوصه الأولى، ومحاولات النشر، ورؤيته للثقافة في تونس، في حديثٍ يمزج بين البساطة العميقة والتأمل الصادق، وبين تجربة لم تتشكل بعد في هيئة لقب، لكنها تتنفس باحثة عن معنى يُكتب بلهفة وبصوت خافت يشبه صاحبه.
___________________________________
حوار خاص مع الكاتب التونسي القدير "رشدي الخميري"
1- من هو رشدي الخميري بعيدًا عن المشهد الثقافي؟ كيف تعرّف نفسك للقرّاء؟
أنا إنسان يبحث عن المعنى قبل العبارة، وعن الصّدق قبل المجد. ابن لحظاته الصّغيرة الّتي تصنعني كلّ يوم من جديد: قهوة الصّباح، حوار عابر مع صديق او بعض الأصدقاء، طريق طويل أقطعه مشيا لأتأمّل العالم دون أقنعة.
أنا ذات تتعلّم باستمرار كيف تصغي للوجود. لست سوى رجل يلتقط ما يتسرّب من الحياة بين الأصابع، يحوّله إلى كلمات حينا، ويتركه يمرّ بصمت حينا آخر. أكتب لأنّني لا أملك طريقة أخرى لفهم ما يختبئ خلف الأشياء، ولأنّ اللّغة هي المساحة الوحيدة الّتي أستطيع فيها أن أكون كما أنا دون تكلّف أو تزييف.
في النّهاية، رشدي الخميري هو ذلك الكائن الّذي يظلّ يسافر بين الأسئلة، لا بحثا عن أجوبة نهائيّة، بل عن نور صغير يكفي لمواصلة الطريق.
2- كيف تصف طفولتك؟ وما العوامل التي زرعت في داخلك شرارة الكتابة منذ الصغر؟
كانت طفولتي عاديّة ككلّ أبناء أحد أرياف جندوبة كبرت في بيئة بسيطة، لكنّها غنية بما يكفي لتشعل الخيال: أصوات الحكايات في المساءات الطويلة، حكايات الجدّة عن ابن السلطان والعفاريت، سير على الأقدام لمسافة طويلة للوصول إلى المدرسة.. وفضول طفل يمدّ يده إلى العالم كمن يختبر حرارة النّار لأوّل مرّة.
لم تكن الكتابة قرارا واعيا بقدر ما كانت ميلا ربّما لا أعرف متى بدأ بالضّبط لكنّه تنامى عندما كبرت. ربّما ولدت من تلك اللّحظات الّتي كنت أرى فيها الأشياء أكبر من حجمها الحقيقيّ، وأشعر أنّ ما لا يقال أهمّ ممّا يقال. كنت أكتب لأفهم، ولأمنح نفسي مساحة أهرب إليها من ضيق الأسئلة، وأحيانا لأعيد تشكيل العالم كما أتمنّاه.
العوامل الّتي أشعلت شرارة الكتابة في داخلي لم تكن حدثا واحدا، بل تراكمات صغيرة: معلم آمن بي، كتاب صادفني في الوقت المناسب، عزلة خفيفة كانت تصنع لي عالما خاصًا، خربشة غير واعية أثناء احتساء قهوة صباحيّة على أنغام فيروز وفضول لا يهدأ تجاه كلّ ما هو غامض. ومنذ ذلك الوقت، لم تخمد تلك الشّرارة؛ كلّ ما حدث أنّها صارت ربّما أكثر نضجا.
3- متى اكتشفت أنك تملك ميولات أدبية؟ وهل تتذكر أول نص كتبته؟
اكتشفت ميولي الأدبيّ في اللّحظة الّتي أدركت فيها أنّني أرى العالم عبر الكلمات قبل أن أراه عبر العين. لم يكن الأمر إعلانا صاخبا، بل وعيا ينضج ببطء، يشبه تلك اللّحظة الّتي يلتفت فيها المرء لنفسه فيجدها تمارس أمرا ما منذ زمن دون أن تنتبه. كنت أميل دائمًا إلى العوالم التي تبنى بالحروف، وأشعر أن اللّغة ليست وسيلة للتّعبير فقط، بل بيتا غير مرئيّ أسكنه بأمان.
أمّا أوّل نصّ كتبته، فكان محاولة خجولة، قصيرة وساذجة كما تبدو كل البدايات تحدّثت فيها عن مدينتي وهي تستيقظ من نومها، وقد شجّعني على المضيّ قدما في الكتابة أصدقاء اطّلعوا على ذلك المخطوط المتواضع، لكنّ تلك المحاولة كانت بالنّسبة لي اكتشافا مبهرا: أنّ ما يوجعني يمكن أن يتحوّل إلى جملة، وأن ما يدهشني يمكن أن يصير صورة. لا أتذكّر النّصّ حرفيًا، لكنّني أذكر إحساسي حين كتبته؛ ذلك الارتباك الجميل الّذي يشبه ملامسة باب سريّ يقود إلى عالم آخر. ومنذ تلك اللّحظة، أدركت أنّ الكتابة ليست هواية عابرة، بل طريق طويل اخترت أن أسير فيه ولو بخطى مرتعشة الى أن أجد توازني في مجال الكتابة.
4- ما اللحظة أو الحدث الذي جعلك تدرك أن الكتابة ليست مجرد هواية، بل مسار حياة؟
لم تكن هناك لحظة واحدة فاصلة، بقدر ما كان هناك تراكم خفيّ يقودني نحو الكتابة دون أن أنتبه. لكن يمكنني القول إنّني أدركت أنّها مسار حياة عندما صرت أشعر بأنّ الأيّام الّتي لا أكتب فيها تبدو ناقصة، وكأنّ شيئا أساسيًا سقط منّي في الطّريق. الكتابة لم تعد نشاطا جانبيًا، بل صارت جزءا من تنفّسي، من محاولتي لفهم نفسي والعالم، ومن رغبتي في ترك أثر ـ مهما كان صغيرا ـ على صفحة هذا الوجود.
ثمّة حدث آخر عمّق هذا الإدراك: حين كتبت نصًا ظننته عابرا، فوجدت أن صداه بلغ من حولي بطرق لم أتوقّعها. فهمت حينها أنّ الكلمة حين تكتب بصدق، تخرج من حدود صاحبها وتبدأ حياة مستقلّة. تلك اللّحظة علّمتني أنّ الكتابة ليست ترفا، بل مسؤوليّة، وأنّني مهما حاولت الابتعاد عنها، ستظلّ تعيدني إليها كما يعود النّهر إلى مجراه الطّبيعيّ.
منذ ذلك الحين، نعم بدأت أتعامل معها كهواية، ثمّ صارت كأنّها قدر لطيف يصوغ مساري، ويمنحني معنى أعمق لما أعيشه وأراه.
5- من هم الكتّاب والمفكّرون الّذين تركوا أثرًا حقيقيًا في تكوين رؤيتك الأدبيّة والفكرية؟
تكوّنت رؤيتي الأدبيّة والفكريّة عبر سنوات من القراءة المتنوّعة، لا عبر اسم واحد أو مدرسة بعينها. كنت دائما أميل إلى الكتّاب الّذين يوسّعون في داخلي مساحة الأسئلة، ويجعلونني أرى العالم من زاوية لم أنتبه إليها من قبل.
تأثّرت بأصوات كثيرة: من الرّوائيين الذين يكتبون بعمق إنسانيّ كيوسف إدريس وطه حسين وشكري المبخوت وهشام جعيّط والكثير من الأسماء التّونسيّة ، إلى الشّعراء الذين يعلّمون اللّغة كيف تتنفّس، مثل محمود درويش وأدونيس وأبو القاسم الشّابي والمنصف الوهايبي... كما كان للفلاسفة أيضا أثرهم الخاصّ، لا سيما نيتشه وكامي ...، أولئك الذين جعلوا الأسئلة الوجوديّة جزءا من يوميّاتي، وأعادوا تعريف علاقتي بالمعنى والحريّة والمسؤوليّة.
ولا أنكر أثر كتّاب أقرب إلى روحي من غيرهم، ربّما لأنّهم يشبهونني في بحثهم المستمرّ عن الضّوء داخل العتمة، أو لأنّ نصوصهم تقف عند التّخوم الّتي تشغلني: الذّات، الزّمن، هشاشة الإنسان، وعلاقته بما يرى ولا يرى.
هذه القراءات كلّها والّتي أقولها بصدق لم تكن كثيرة كوّنت في داخلي طبقات متراكمة من الرّؤى والمشاعر والأفكار، بعضها ظاهر وبعضها يشتغل بصمت. وما زلت إلى اليوم أجد في كلّ كتاب جديد فرصة لتجديد أسئلتي، لا لتثبيت يقين نهائيّ.
6- هل هناك تجربة شخصيّة أو حدث تاريخيّ أثّر بقوّة في أسلوبك أو توجّهك في الكتابة؟
أؤمن أن الكاتب هو مجموع ما عاشه، وما رآه، وما ظلّ عالقا فيه دون أن يجد طريقة أخرى للتّعبير عنه سوى الكتابة. لذلك، يصعب حصر تأثيري في تجربة واحدة أو حدث تاريخيّ محدّد، لكن يمكنني القول إنّ بعض اللّحظات الشّخصيّة تركت أثرا لا يمّحي على أسلوبي: لحظات الفقد، وأوقات الوحدة الطّويلة الّتي كانت تتحوّل في داخلي إلى تأمّلات، وإلى رغبة في فهم ما يحدث لي وللعالم بلغة أوسع من الكلام اليوميّ.
كما أنّ الأحداث الكبرى الّتي شهدها العالم وفي الوطن العربيّ في العقدين الأخيرين تركت أثرها كذلك، لا بوصفها وقائع سياسيّة فحسب، بل كمرآة كشفت هشاشة الإنسان، وقوّته في الوقت نفسه. هذه التّحوّلات جعلتني أعيد النّظر في معنى الكتابة: هل هي شهادة؟ أم مقاومة؟ أم محاولة للتّمسّك بما يبقى إنسانيًا وسط هذا الضّجيج؟
كل تلك التّجارب، الصّغيرة منها والكبيرة، صقلت توجّهي: جعلت لغتي أكثر ميلا إلى التّأمّل، وأقلّ انجرافا نحو السّرد الخالص، وجعلتني أكتب كمن يفتّش عن الحقيقة داخل نفسه قبل أن يبحث عنها في الخارج. ومع ذلك أصرّح من خلال منصّتكم أنّي لست كاتبا أو شاعرا لأني لازلت ابحث عن نفسي في هذا الميدان.
7- حدّثنا عن البدايات: كيف كان الطّريق نحو النّشر؟ وهل واجهت صعوبات في خطواتك الأولى؟
البدايات كانت، كما هي عادة البدايات، مزيجا من الحماس والخوف. الكتابة نفسها لم تخفني يوما، لكن فكرة أن أقدّم نصّي إلى العلن كانت تضعني أمام سؤالٍ جوهريّ: هل ما أكتبه يستحقّ أن يراه الآخرون؟ ومع ذلك، شعرت أنّ لحظة الخروج كانت ضرورة لا خيارا، لأنّ الكتابة الّتي تبقى حبيسة الأدراج تفقد جزءا من حياتها.
طريقي نحو النّشر لم يكن مفروشا بالسّهولة. واجهت تلك الصّعوبات الّتي يعرفها كلّ كاتب شابّ: دور نشر متردّدة، ردود صامتة أحيانا، ومحاولات كثيرة لإقناع الآخر بأنّ صوتي يستحقّ أن يمنح فرصة. لكنّ هذه العراقيل، على قسوتها زد إلى ذلك تشجيع بعض الأصدقاء ممّن يهتمّون بالكتابة، منحتني صلابة داخليّة؛ جعلتني أراجع نصوصي أكثر، وأدقّق في لغتي، وأتأكّد من أنّني لا أقدّم شيئا نصف مكتمل.
ومع أوّل تجربة نشر، شعرت أنّ الباب الّذي كان موصدا بدأ ينفتح. لم يكن الانفتاح كاملا، لكنّه كان كافيًا لأواصل السّير بثبات أكبر. أدركت حينها أنّ الطّريق إلى القارئ طويل، لكنّه ليس مستحيلا، وأنّ الصّبر في هذا المجال ليس فضيلة، بل شرطا أساسيًا.
البدايات لم تكن سهلة، لكنّها كانت ضروريّة. لأنّها هي الّتي صاغت علاقتي الحقيقيّة بالكتابة، علاقة تقوم على الإصرار، وعلى الإيمان بأنّ ما يكتب بصدق مهما كانت قيمته الأدبيّة، يجد طريقه يوما ما، مهما طال الانتظار.
8- ما هي إصداراتك الأدبية إلى اليوم؟ وهل من أعمال جديدة في الطريق؟
حتى اليوم، صدرت لي عدة أعمال تمثّل مراحل مختلفة من رحلتي الأدبيّة، كلّ منها يحمل توقيعا زمنيًا خاصًا: كتاب نشرته في مصر وهو عبارة عن مجموعة خواطر، بعض النّصوص النّثرية القصيرة ومحاولات شعريّة متواضعة، حاولت فيها اقتفاء أثر الأسئلة الكبرى حول الإنسان والزّمن والعلاقات. تعلّمت منها، وتجدّد داخلي إصراري وشغفي بالكتابة.
أمّا المستقبل، فهو مساحة أرحب دائما. هناك أعمال جديدة قيد الإنجاز، بعضها يقترب من الصّدور، وبعضها لا يزال في مرحلة التّشكّل الأولى. كل نصّ جديد بالنّسبة لي رحلة اكتشاف، وليس مجرّد إنتاج؛ رحلة تسمح لي بمراجعة عالمي الدّاخليّ، وتجربة لغات وأساليب مختلفة، ومحاولة التّطوّر بحرفي المتواضع.
9- كيف تصف أسلوبك في الكتابة؟ وبأي جنس أدبي تجد نفسك أكثر: الرواية، القصة، المقال، أم غيرها؟
أصف أسلوبي في الكتابة بأنّه محاولة لإيجاد توازن بين الصّدق الشّعوريّ والدّقّة اللّغويّة، بين الموسيقى الدّاخليّة للجملة والعمق المفاهيمي للنّص. أحبّ أن تكون الكلمات نفسها حيّة، تتنفّس، وتترك أثرا خفيفا في ذهن القارئ، حتّى بعد انتهاء القراءة. أسلوبي يميل إلى التّأمّل، إلى الانغماس في التّفاصيل الصّغيرة الّتي تحمل أحيانا أبعادا أكبر، وإلى استكشاف الأسئلة الوجوديّة في حياة الإنسان اليوميّة.
أمّا من حيث الجنس الأدبي، فأجد نفسي غالبا في مساحة النّثر الرّوائي أو القصصيّ؛ لأنّهما يسمحان لي بتشكيل عوالم وشخصيّات، ومنح النّصوص مرونة الحركة بين الواقع والخيال، بين الظّاهر والباطن. ومع ذلك، لا أستبعد المقال أو النّص القصصيّ النّثريّ القصير -وهذا الأخير كان عماد كتابي الأوّل واليتيم إلى حدّ الآن-، فهي أشكال تمنحني فرصة لتجربة اللّغة بشكل أسرع وأكثر تركيزا، وأحيانا لتوجيه خطاب مباشر إلى القارئ دون الحاجة إلى بناء عالم كامل. في النّهاية، لكل نصّ روحه وطريقته الخاصّة في التّعبير عن ما أريد قوله، وأسلوبي هو محاولة لمواكبة ذلك بأمانة وحريّة.
10- ما المواضيع أو القضايا التي تحرص على تناولها في أعمالك؟ ولماذا؟
أحرص في أعمالي على تناول الأسئلة الكبرى الّتي تشغل الإنسان: الذّات والهويّة، الزّمن والمصير، هشاشة الإنسان أمام الحياة وتعقيداته، والعلاقات بين البشر بما فيها من فرح وألم وصراع. كذلك، أجد نفسي دائما منجذبا إلى اللّحظات الصّغيرة الّتي تكشف عن المعنى الخفيّ للحياة، سواء في تفاصيل يوميّة أو في مشهد عابر قد يبدو بسيطا لكنّه غنيّ بالرّمزيّة.
هذه المواضيع تهمّني لأنّها تكشف عن جوهر التّجربة الإنسانيّة، وتتيح لي مساحة للتّأمّل والتّساؤل، وللقارئ أيضا فرصة لإعادة النّظر في حياته الخاصّة. الكتابة بالنّسبة لي ليست مجرّد سرد أحداث، بل محاولة للتّعمّق في ما وراء الأحداث، لفهم كيف نصنع العالم داخليًا قبل أن نحاول تغييره خارجيًا. كل نصّ هو فرصة لاستكشاف ما هو إنسانيّ في الإنسان، وما هو مشترك بيننا جميعا، بغضّ النّظر عن زماننا أو مكاننا أو جميع اختلافاتنا.
11- برأيك، ما الّذي يجعل نصّك مختلفا أو يحمل بصمتك الخاصّة مقارنة بغيرك من الكتّاب؟
أنا لا أدّعي أنّني كاتب قد ينافس غيره او يماثلهم في مجال الكتابة. أنا أحاول أن أمزج بين التّأمّل والصّدق بلغة بسيطة جدّا، بحيث تتسرّب النّصوص من الدّاخل قبل أن تصل إلى الورق. لا أدّعي أنّي أتميّز على غيري بأسلوب أتفرّد به فأنا أشقّ طريق الكتابة بخطى أولى متواضعة وهدفي ليس السّعي وراء الإثارة أو التّقليد، بل القدرة على تحويل اللّحظات الصّغيرة والدّاخلية إلى تجربة شعريّة أو سرديّة تحمل انعكاسا عميقا للوجود. أكتب بهدوء وأحاول أن أكون دقيقا في اللّغة، ممّا يجعلني أزعم أنّي اجعل نصوصي تتحدّث إلى القارئ بطريقة صادقة وهادئة، وكأنّها دعوة للتّأمّل أكثر من مجرّد قراءة عابرة.
12- ماذا عن مشاركاتك في الندوات الثقافية داخل تونس؟ في أي مؤسسات أو مناسبات أدبية قدّمت تجربتك؟
حتّى اليوم، لم تتح لي الفرصة بعد للمشاركة في ندوات وطنيّة أو تقديم تجربتي مباشرة على المنابر الأدبيّة التقليديّة. تجربتي ارتبطت أكثر بالمجلاّت الإلكترونية والمنصّات الرّقميّة مثل منصّتكم، حيث كنت أقدّم نصوصي وأشارك في حوارات مكتوبة مع القرّاء والكتّاب الآخرين.
رغم ذلك، أرى في هذا الشّكل من المشاركة مساحة مهمّة للتّواصل، إذ يتيح للنّصوص أن تصل مباشرة إلى القارئ دون وساطة، ويمنحني الوقت للتّفكير في كيفيّة التّعبير عن أفكاري وتجربتي بطريقة صادقة ومدروسة. وأتطلّع في المستقبل إلى أن تمتدّ مشاركاتي لتشمل اللّقاءات والنّدوات الحيّة، لتعزيز تواصلي مع جمهور أوسع من المهتمّين بالأدب والفكر.
13- وماذا عن مشاركاتك خارج تونس؟ هل شاركت في ملتقيات ثقافية عربية أو دولية؟ وما التجربة التي تركت أثرًا مميزًا فيك؟
حتّى الآن، لم تتح لي الفرصة للمشاركة في ملتقيات ثقافيّة عربيّة أو دوليّة، ولم أخض تجربة تقديم نصوصي خارج حدود تونسأو داخلها. ومع ذلك، أعتبر أنّ القراءات والمقالات الإلكترونيّة الّتي أشارك بها تشكّل نوعا من التّواصل الثّقافيّ الافتراضيّ، يتيح لنصوصي أن تصل إلى جمهور متنوّع، ويمنحني فرصة للتّفاعل مع قرّاء وكتّاب من خلفيّات مختلفة.
هذه التّجربة الرّقميّة، رغم كونها غير تقليديّة، تحمل أثرها الخاصّ: فهي تجعلني أفكّر في نصوصي ليس فقط من زاوية المكان أو الزّمان، بل من زاوية الانتشار والتّأثير، وتدفعني دائما إلى البحث عن لغة يمكنها أن تعبّر عن عالمي الدّاخليّ بطريقة تصل إلى أيّ قارئ، أينما كان.
14- كيف ترى الحركة الثقافية والأدبية في تونس اليوم؟ هل تراها تتطور أم تواجه تحديات؟
أرى أنّ الحركة الثّقافية والأدبيّة في تونس حيّة ومتجدّدة، مع وجود طاقات جديدة تبذل جهدا لتجريب أشكال وأساليب مختلفة. وفي الوقت نفسه، تواجه تحديّات تتعلّق بالموارد، والانتشار، وغياب بعض الدّعم المؤسّساتي، لكنّ هذا لا يمنع من أن نلاحظ حركة إنتاجيّة مستمرّة، وإبداعا يثبت أنّ الثّقافة في تونس قادرة على الصّمود والتّجدّد رغم الصّعوبات.
15- هل أثّرت التّكنولوجيا ووسائل التّواصل على كتاباتك أو طريقة تواصلك مع القرّاء؟
بالتّأكيد، فقد فتحت التّكنولوجيا ووسائل التّواصل مساحة جديدة للتّواصل مع القرّاء مباشرة، دون وساطة، ما أتاح لي فرصة فهم ردود الفعل على نصوصي بشكل أسرع وأكثر تنوّعا. أمّا من ناحية الكتابة نفسها، فهي لم تغيّر جوهر تجربتي، لكنّها أضافت بعدا جديدا من الانفتاح على أساليب سرديّة مختلفة، وألهمتني أحيانا لتجربة أفكار قصيرة وسريعة تصل إلى القارئ الرّقميّ بطرق مختلفة عن الورق التّقليديّ.
16- كيف تتعامل مع النقد؟ وهل سبق أن واجهت نقدًا غيّر طريقة نظرك إلى أعمالك؟
أتعامل مع النّقد دائما بروح إيجابيّة، سواء جاء من خلال منصّات التّواصل الاجتماعيّ أو المجلاّت الإلكترونيّة، أو مناقشة نصوصي مع أصدقاء مقرّبين. أرى في النّقد فرصة للتّأمّل، وفهم كيف يصل النّص إلى الآخرين، وما إذا كان ثمّة مجال لتحسينه. لم أصادف حتّى اليوم نقدا غيّر جذريّا طريقة نظري إلى أعمالي، لكن كلّ ملاحظة صادقة أعتبرها درسا صغيرا يساهم في صقل تجربتي الكتابيّة المتواضعة وتوسيع وعيي بأسلوب التّواصل مع القارئ.
17- هل تعتمد طقوسًا معينة أثناء الكتابة؟ أم أن الإلهام يأتيك بلا موعد محدد؟
لا أمتلك طقوسا صارمة، لكنّني أجد نفسي أكثر إنتاجيّة عندما يكون الجوّ هادئا، مع مساحة صغيرة أستطيع فيها الانغماس في أفكاري دون مقاطعة. الإلهام غالبا يأتي بلا موعد محدّد؛ أحيانا من مشهد عابر، أو حديث بسيط، أو حتّى لحظة تأمّل في صمت. الكتابة بالنّسبة لي مزيج بين استعداد داخليّ، وترقّب هادئ للإشارات الصّغيرة الّتي تدفعني للكتابة، بحيث تتحوّل اللّحظة العابرة إلى نصّ يحمل شيئا من عالمي الدّاخليّ.
18- إلى أي مدى تستوحي من حياتك الشخصية أو من البيئة التونسية في بناء شخصياتك أو نصوصك؟
أستوحي من حياتي الشّخصيّة ومن البيئة التّونسية والعربيّة إلى حد بعيد، فهي مصدر لا ينضب من التّفاصيل واللّحظات الّتي تمنح النّصوص عمقا ومصداقيّة. ما يجري في العالم، الحياة اليوميّة، النّاس، الأماكن، وحتّى الأصوات والرّوائح، كلّها عناصر أستخدمها لصياغة شخصيّات ونصوص تحمل إحساسا حقيقيّا بالزّمان والمكان، مع الاحتفاظ بالبعد العام الّذي يجعل القارئ من أيّ مكان قادرا على الاقتراب من النّص والتّفاعل معه.
19- ما المشاريع المستقبلية التي يعمل عليها رشدي الخميري اليوم؟ وما الذي ينتظره جمهورك في المرحلة القادمة؟
أعمل حاليًا على الانتهاء من إعداد روايتين قصيرتين، وهما في طور التّرتيبات النّهائيّة قبل النّشر. أمّا الرّواية الثّالثة، فهي مؤجّلة مؤقّتا إلى حين، لكنّها تحضر في الخلفيّة وتنتظر اللّحظة المناسبة لتخرج إلى القارئ، وهناك دائما نصوص وخواطر ومحاولات في الشعر متجدّدة تحمل استكشاف الإنسان وعوالمه، مع مزيج من التّأمّل والخيال الّذي طالما ملت إليه.
20- ما رسالتك للكتّاب الشباب الذين يخطون خطواتهم الأولى في عالم الأدب؟ وما النصيحة التي تمنّيت لو سمعتها في بداياتك؟
ككاتب لا يزال يخطو خطواته الأولى، أودّ أن أشارك الكتّّاب الشّباب إحساسي بأنّ الرّحلة الأدبيّة تحتاج إلى صبر وثقة بالنّفس. لا تخافوا من التّجربة، ولا تنتظروا أن يكون كلّ شيء مثاليّا قبل الكتابة؛ المهمّ أن تكتبوا، وأن تمنحوا لأنفسكم الحقّ في الخطأ والمحاولة من جديد.
كنت أتمنّى في بداياتي أن أسمع رسالة واضحة من كتّّاب كبار تؤكّد أنّ كلّ نصّ مهما بدا صغيرا أو غير مكتمل، هو خطوة على الطّريق، وأن الإصرار على الاستمرار أهمّ من أيّ تقدير خارجيّ في البداية. الكتابة رحلة طويلة، لكنّها تمنحكم فرصة لاكتشاف أنفسكم وفهم العالم حولكم بطريقة لا يمنحها شيء آخر.
___________________________________




اترك تعليقا يدل على انطباعك ورأيك بالموضوع