المطرُ ذاكرةٌ معلَّقةٌ في السماء
يغمرُ الطرقاتَ بالوحل
ويكتبُ على الأرضِ تاريخًا لا يقرؤه أحد
أصواتُ صبيةٍ كأسئلةٍ مرتجفة
وأمهاتٌ يفتحْنَ صدورهنَّ للريح
ليغسلنَ الحزنَ بماءٍ لا يعرف النهاية
خيمةٌ مثقوبة
تحملُ ذاكرةَ المنفى
ووطنًا مؤجَّلًا لم يولد بعد
المطرُ يسقطُ كحكمٍ أبدي
يحوِّلُ الطرقاتَ إلى أنهارٍ موحلة
والخيمةَ إلى قاربٍ مثقوب
يبحرُ في التيه
ويعودُ محمَّلًا بالغياب
دمعٌ يعلنُ أن الحياةَ أضعفُ من الأرض
وجرحٌ مفتوحٌ في ذاكرة المطر
مدينةٌ تُصلّي تحت الركام
وتعلّمُ الغيومَ أن البكاءَ شكلٌ من أشكال الحياة
أصواتُ الأطفال أجراسٌ مكسورة
دموعُهم ماءٌ يكتبُ تاريخًا لا يقرؤه أحد
وخطواتُهم صرخةٌ أبديّة
تقول إن الغيابَ وطنٌ مؤجَّل
وأن الحضورَ ظلٌّ ناقص
مدينةٌ تكشفُ قبحَ الأزمنة
وتعيدُ تعريفَ المطر
فلا يعود ماءً فقط
بل سؤالًا عن معنى الحياة
ووصيّةً تُعلِّمُ الأرضَ أن الحريةَ ليست وعدًا
بل دمعةً تُقاومُ حتى آخر الغيوم
النسوةُ خبأنَ وجوهَهنَّ في الغيوم
والشيخُ رفعَ يدهُ المرتجفة
والعجائزُ حملنَ بقايا البيوتِ على أكتافِهنَّ
وذاكرةَ الأرض
الزمنُ يذوبُ في الوحل
الأحلامُ والأوطانُ تذوبُ في الغياب والمطر
لكنَّ الأيدي تُرفعُ إلى السماء
كأنها تطلبُ من الغيومِ بدايةً أخرى
العالمُ مرآةٌ غائمة
تعكسُ فراغًا بلا ملامح
وتبيعُ أوهامًا في أسواقٍ من صمت
الوحلُ يذوبُ بنا
والبردُ يكتبُ تاريخًا لا يقرؤه أحد
لكنَّه يظلُّ شاهدًا على قبح الأزمنة
الغيابُ وطنٌ مؤجَّل
والحضورُ ظلٌّ ناقص
إنسانٌ يفتِّشُ عن وطنٍ
في قلبِ غيمةٍ لا تنتهي
وأنا ابنُ الغياب
أكتبُ المطرَ كي لا يذوبَ اسمي
وأترك السؤال
زاهر الأسعد
اترك تعليقا يدل على انطباعك ورأيك بالموضوع