لقاء على ضفاف البوسفور
مرفت القابسي / تونس
الفصل الأول
كانت إسطنبول تغسل وجهها بالندى،
وشوارعها تفوح برائحة القهوة والبحر والمطر.
في ذلك الصباح الهادئ، كانت علياء تسير بخطواتٍ متزنة،
تتأمل المآذن التي تخترق الغيم،
والحمام الذي يحوم فوق الساحات،
كأن المدينة نفسها تنبض بذكرياتٍ لم تُعش بعد.
لم تكن تعلم أن أبو لو في المدينة ذاتها.
كان قد جاء في زيارةٍ قصيرة، يبحث عن هدوء لا يعرفه،
يختبئ من صخبه الداخلي خلف نظاراتٍ سوداء وصمتٍ نبيل.
وفي شارع الاستقلال،
وسط الزحام والموسيقى التي يصدح بها عازفٌ عجوز،
تقاطعت النظرات…
نظرة واحدة فقط كانت كافية لتعيد كل ما حاول كلٌّ منهما نسيانه.
توقفت علياء، وتباطأت أنفاسها.
هو أيضًا توقّف، وكأن الزمن توقف معهما.
لم يتحدثا فورًا.
كانت إسطنبول تتحدث عنهما بدلًا منهما —
الريح تعزف من البوسفور،
ورائحة القهوة تعيدهما إلى أول مساء جمعهما.
قالت بصوتٍ منخفض، وهي تبتسم دون أن تبتسم تمامًا:
"المدينة جميلة، أليس كذلك؟"
أجاب بنبرةٍ هادئة تخفي دهشة اللقاء:
"جميلة… لكنها الآن أجمل."
جلسا في مقهى مطل على البحر.
كانت المراكب تعبر في الأفق ببطء،
والضوء الذهبي ينساب على وجهها،
فتبدو له كما لو أن إسطنبول صنعتها لتُذكّره بما لا يُنسى.
تحدثا عن السفر، عن الفن، عن الصمت الذي لا يوجع حين يكون متبادلًا.
لم يسألا بعضهما أين كنت، ولماذا غبت.
كان الحديث كله بين العيون،
وفي تلك اللحظات القليلة شعر أبو لو أن قلبه، الذي كان دائمًا يحرسه من الحب،
قد انكسر بخفةٍ جميلة أمام امرأةٍ تشبه الأمان.
وقبل أن تغادر، وقفت علياء وقالت وهي تنظر إلى البحر:
"ليس كل لقاء عودة… أحيانًا يكون فقط سلامًا."
ابتسم، ولم يجب.
راقبها وهي تمشي بخطواتٍ هادئة وسط المارة،
وشعر أن المدينة فقدت صوتها في المساء، حين يسير البوسفور بينهما مثل وعدٍ مؤجل؟
اترك تعليقا يدل على انطباعك ورأيك بالموضوع