القائمة الرئيسية

الصفحات

قراءة لقصيدة "تعال" لروضة الدخيل - محمد هالي


 قراءة لقصيدة "تعال" لروضة الدخيل

محمد هالي

1 - القصيدة

أيا قلبا،
حالم أنت،
ليس بملك قيصر،
أو مال قارون،
تلك أمان عابرة..
حاشا لك أن تكون،
في ثنايا مرابعك..
لكنّك المشتهي،
قشّة
تطفو على مرآة نهر،
تتتبّع الرحلة
على أمل،
ربّاه من يهدي القوافل
حين إعصار الغبار
يمحو الخرائط كلّها..!
فتعيد رسمها في الوتين،
وحلمك مسوّر
بالشّرايين..
وذاك المستبدّ الحنين،
يشرئب مباغتا،
مهلا،
فغربتك اغتراب،
زفرة الأنفاس منك
في لهاث،
حدّه سكّين..
أين المسير و القمر
صادوه في قفص مكين؟
غطّوه بالقطران؟
ما عاد ليل ليلك؟
وكذا الشّروق الضّامر
تزدرده
أفواه التّماثيل العتيدة،
صناديد أزمنة العقم..
كلّ الميادين خواء،
وتتابع التّسبيح من ألم..
يا موعد الفتك المرتقب
في الانتظار نحن،
تعال..!
روضة الدخيل

2 - القراءة:
تعال هي إشارة وارفة للرجوع من ذلك التيه الذي حل بالبلد ، خطاب يستشرق العودة بعد الانزياح المفروض قسرا، هي توبيخ أو صد أو تأنيب ضمير للمنزاح من هموم وطن معلق بين ضباع ينهشون جسمه بكافة الوسائل، تعال غير مرتبط بجاه أو منفعة، تعال ليس "ملك قيصر" و لا "مال قارون" هو انطلق من القلب، من العاطفة، من الوجدان، من شعور باطني يعلو على كل المنافع، و الصور المادية المرتبطة بالحس المشترك للعش الذي أثثه السوريون في أزمنة مختلفة، بل هو المشتهى ضمن هذه التموجات الذاتية العميقة، البداية في علو الخطاب بين غربة، و رجوع، بين قبول، و صد، بين الوسيلة و الغاية، فتعال هنا تشبه غاية القيمة، على اوتار قيم كانط الأخلاقية، قيم العقل العملى المرتبط بكل السمو، و العلو البعيد عن الرغبة، ك في الحضور، رغم علاته المستعصية عن التحقق، النص الشعري مربك للمخاطب، هو مناجاة له، لعله يتحلى بمصاعب العودة و الرجوع، ويحن لمناجاة الشوق المخدوش في أوسمة المنادي الذي يصيح"تعال"
هذا ما تجسد في المقطع التالي:
"أيا قلبا
حالم أنت
ليس بملك قيصر
أو مال قارون
تلك أماني عابرة"
فتدخل الرغبة في القدوم، أو الرجوع الى المبتغى، "حاشا" هي النفي لذلك الإتيان المادي المباشر الموجود خارج الرغبة ، و غير مشبع بالإرادة، بل القدوم الذي يشتهيه القادم، و عندما نقول هنا الشهوة، تدخل الحاجة على الخط، فهي ترتبط بالغريزة لا بالثقافة، لكنه رجوع معطل، بل هو كصور تشبه المرآة التي تعكس ذلك الرجوع، فيسقط المشهد فب الحلم الذي تجسد في بداية القصيدة، لأن القدوم تحفه صعوبات كثيرة، تتضح بأنها تطفو على مرآة نهر"
و هي التي تقود القادم " تتتبع الرحلة" التي يكسوها الغموض، و يحدوها الأمل" في الوصول،
هنا تحاكي روضة الواقع المر الذي أصبحت عليه خرائط البلد.
لكن هذه العودة المحفوفة بإشارة "تعال" تحدوها مشاكل عديدة، فالغريب الذي غادر في أزمنة الشدائد، سيجد خرائط البلد تغيرت، مما يجعله يصطم بالتيه، و الغربة من جديد، الغربة التي عاشها خارج البلد سيجدها داخله هي "تعال" بدون بوصلة الوصول، العائد هنا لن يجد تشويرات تنبهه، أو توجهه الى المصب، "رباه من يهدي القوافل"
ستنزاح القوافل عن مسارها لأن الغبار الذي عبثت به كل الصور، و رسمته الاذاعات، و بتته الأخبار، محت كل السبل، و داست على الخرائط، مما سيسقط العائد في التيه، و هذا المشهد وصفته بأقوى غضب الطبيعة "اعصار" إنه بالفعل إعصار بشري عبث بكل السبل حتى أن المناداة ب " تعال" سيصاب بالذهول من كثرة المدافع و القنابل التي سقطت هناك لأنها "محت الخرائط كلها"

هنا يدخل الانسان ضمن العاطفة من جديد، لتغري العائد من هناك، الى اارسوب هنا، حيث سوريا المتبقية، لكن هذا الرجوع محفوف بالعاطفة ستجعله يبحث عن الخرائط من جديد، و يعبد رسمها في الوتين، في أهم شريان يضخ الحياة
"فتعيد رسمها في الوتين
و حلمك مسور
بالشرايين"

اذن هي عودة نابعة من الرغبة بقوة الحنين بقوة الابتغاء، لان الارض تناديه، تجره 6من هجره من هروبه، أراد ذلك أم لم يرد.
لهذا تدرك الشاعرة أن الوضع 7صعب، يفوق كل عاطفة، كل رغبة في الرجوع، فتبقى الغربة في مسام الوضع القاتم، تدرك ذلك "وذاك المستبد الحنين"
ذاك الذي يلف العسل بالدم، يصد الرجوع بأغلفة في غير محلها، ينقلب، يغير مواقعه، و يتجدد بسبل عديدة، كالسبل الذى محاها بأسلحته المختلفة، و المستبد هنا ليس فردا، بل اتجاها أو تصورا، أو حركة سياسية، بل هو كل من عبث بالسبل، كل من رش الغبار و أفسد شرايين الحياة في النهر، كل من محى أثار ال "الوتين" بل هو حرباء زمانه مغلف بالحنين " و الحنين هنا ما يسوقه من عدالة، و ديموقراطية، و أخوة لكنه حنين مغلف بالاستبداد، و قاسم الاستبداد ظهر في سوريا بأوجه عديدة ""دينيا" و "حداثيا" لكنه في العمق استعماريا، قاسيا و غاشما، يوظف حقرق الانسان في أمكنة القتل المتداعية في بقع الخريطة، و هذا ما وصفته روضة بأسلوبها الشعري الممتاز :"يشرئب مباغثا"
لتستدرك خطر "تعال" خطر الرجوع في آخر المطاف، من خلال إبراز قاسم الحيطة، و الحذر "مهلا"
لتؤكد بأن المخاطب ستبقى غربته خاضعة للضرورة، " فغربتك اغتراب" تدرك معاناته باعتبارها تفوق الشرايين فهي لم تعد مرتبطة ب "الوتين" تدرك حجم المعاناة
"زفرة الانفاس منك
في لهات
حده السكين"
و السكين هنا كل ما لحق المغترب من تشوهات علقت بالأرض الذى مُحيت خرائطها لتحذره بأسئلة تفوق "يا قلبا" تفوق "الوتين" لأن هذه العاطفة تحولت الى "أين المسير و القمر
صادوه في قفص مكين
غطوه بالقطران"
تدحرج لونه أخفته أدخنة الحروب، ووبخته تسرب الغازات، اختفى كل شيء إذن، فكيف للغريب أن يشطب الليل دون إضاءة للقمر؟ كيف ينزاح و مناداة "تعال" تكسوها صيحات من القلب و هو أصبح يشبه السواد أو أن هو السواد "قطران" يتماثل معه؟ لم يعد هناك قمرا يرجى، لهذا فالغريب لم يعد متحكم في الليل، قد يصنع نهارا على ما يُرمى من وسائل لإطفائه،
فهو يشبه الشروق، لم يعد للغريب صد، لا للنهار و لا لليل ، بل هو في زحمة الصواعق الدائمة.
محمد هالي
هذا التداعي الذي أمتعتنا به الشاعرة، يصور واقعا سوريا كله اعوجاج، ليله كنهاره، رغبة في الرجوع و صده، عاطفة تصدها وقائع مخيفة، هناك رغبة في العودة، لكن هناك رغبة في الحياة، فالقصيدة تقدم صورا لا يفهمها الا من يعيش واقعا مقحوطا كهذا، واقعا تتشابك فيه التحذيرات أمام الرغبة:
"ما عاد ليل ليلك
وكذا الشروق الضامر
تزدرده
أفواه التماثيل العتيدة
صناديد أزمنة العقم"
هذا الواقع المر الذي على القادم أن يضعه في الحسبان لأن من بقي هناك يشبه التماثيل العنيدة
تعيش في واقع عقيم
"تعال" تظل عالقة بين فراغ يحتاج للملء ، تحتاج للتواجد ف "كل الميادين خواء"
و تراقب الأحداث كما هي يحنطها الألم ، لكن العودة لابد منها لا بد لها من موعد كيفما كان، فهي مقبولة رغم آلامها، و أحزانها،
لتختم هذا الرجوع بقاسم وجودي يغزوه الحزن، و الغثيان..
"يا موعد الفتك المرتقب
في الانتظار نحن"
القصيدة في الأخير تلح على الرجوع رغم قتامة الوضع، و صعوبته، لهذا أصرت على أن تكون كلمة "تعال" في الختام. 
Reactions

تعليقات