القائمة الرئيسية

الصفحات


تعويذةُ جدّتي

جدّتي تحسن السرد والوصايا..
ناولتني إيّاها ذات لحظة إشراق/تعويذةً..تعويذة صنعتها بأناملها المنسابة نهرا من حنان وخوف ورجاء...جدتي تحسن السرد وتعشق الوصايا..أوصتني عيناها اللتان تتكلمان بصمت ألا تفارق جيدي...قالت ستكونين سعيدة تماما كصغار الظباء وهي تركض على إيقاع أجراس التعاويذ تتلو عليها سِفر الحفظ ...
أنا أعشق تربة حديقتنا..
أنا أومن بقانون الادخار والاستثمار
مشاكستي حولت تعويذتي بذرة أوصيتها أن تتغذى جيدا لتكبر..
في ركن قصي من حديقة منزلنا..لمحت ضوءا يشير إلي بعينه الخضراء..أحب العيون الملونة وخاصة الخضر..
استدرجتني تلك النظرة..زرعتها في ذاك الركن ..تعهدتها بالماء والدعاء..استحلفتها أن تكبر وتصبح شجرة أفراح يتذوق كل الأهل والجيران والأصدقاء في بلدتي.ثمرتها..في مواسم قد ينسى الناس فيها الأعراس والطبول أو تخاصمهم الأفراح..في زمن أثقله الصمت ونسي الابتسام...
مازالت تلك الطفلة الرابضة بين أضلعي تنتظر موسم الجني..تتشمّم رائحة التربة مبلله بالدعاء كلما مرت أمام ذاك الباب المغلق بقفل حديدي كبير..مازالت تستحضر ذاك الركن يأتيها صدى نداءاته من جذور النبتة..يشق صداه مشارف ستين حولا تفصل التعويذة عن الفرح..
تطل من شقوق الباب كلما مرت أمام بيتها القديم..تتسمع حفيف الأغصان كلما استحضرت وشوشتها المنتظرة ذات حلم عابر للمكان في زمن يقتنصه الحلم من العلم..أناملها المخضبة بالطين الأخضر والماء وهي تستودع التعويذة تربة حديقة بيتها القديم أوصت الجذور بالامتداد والأغصان بالامتلاء..
أريج الانتماء يعطر المكان والزمان..
التميمة/ النبتة...تهز جذعها تساقط ثمرات الفرح المشتهى..
لا شيء يرقص قلبها...
لا شيء يعصر قلبها سوى تلك النبتة التي لم ترها تنمو ولن تراها مهما تشممت رائحة وجودها كلما مرت من شارع الطفولة..كلما اقتنصت انفراجة الباب البرونزي القديم يزورها طيفه بين غفوة وصحوة...
لا شيء يلح عليها بالنداء..لا شيء يشد جديلة ضفرتها جدتها ذات لحظة إشراق سوى تلك التعويذة التي أوصتها بمد جذورها بعيدا ..بعيدا في الأعماق أوصتها أن تحمل أغصانها ...ألعابا كثيرة وبالونات ملونة وملابس جديدة تليق بالأعياد وأما لابن جيرانهم اليتيم واجنحة نطير بها مع الفراش ونلحق بالطيور كم أتمنى أن افهم لغتها فنكتب رسائل ونلقيها من عل لتصل إلى كل الغرباء....أوصتها بملء أغصانها قناديل وافراحا وتعاويذ كثيرة..تعاويذ صغيرة تكبر..وتكبر..
تتسع الحديقة تمتد لتصير حقلا.. تحفه شموع الفرح شبرا شبرا...
تسرد للاطفال الحكايا..
تزود الأطفال بالوصايا..
تملأ كفوفهم مفاتيح.....فهل ستحاولين الصمود أيتها الأبواب المغلقة؟

فاطمة محمود سعالله/تونس
3/6/2019


 

Reactions

تعليقات