القائمة الرئيسية

الصفحات


أنا و الصّمت
يؤنّبني الصمت.. لماذا تتكلّم ؟ فأجيبه.. ولكنّي مرغم على الكلام..فعينايا تنطقان ..وملامحي تلهج بما لا يطلقه لساني.. ومشاعري تأخذني فأندفع دون تعقّل. وعقلي يقودني إلى مجابهة واقعي فأتعاطف مع نفسي. فكيف لي بتلجيم لساني والحال أنّ كلّ ما أعيشه يحثّني على التّكلّم. يتظاهرون بحبّك يا وطني ويختبئون وراء لفافات قماش رسموا عليها كلمات وصورا لا يتمثّلونها. يتصارعون أيّهم يفوز بمقعد ليسوس النّاس ويقودهم لرفاهيّتهم والحقيقة أنّهم يتسابقون ليكونوا على مقربة من مصدر المال والضّوء الّذي ينير لهم بشاعة صورهم. كأنّ الصّمت جريمة أليس كذلك يا صمتي؟ يتحصّلون على ما أرادوه وأوّل شيء يقومون به هو نسيان وعودهم ..التّنكّر لأولياء نعمتهم ..ملء جيوبهم بما هو ليس لهم في الأصل وليس من حقّهم لأنّهم اختيروا ليصونوا هذا الّذي وضعوه في محافظهم و جيوبهم. أعطوا المال والقرار ليرفعوا الغبن واليأس عن تراب حمل أسماء الجدود ودماءهم. وإذا بذاك التّراب يرتدّ علينا غبارا في أعيننا ذرّوه فيها حتّى لا نرى حقيقة لونه الجديد لأنّه أصبح متعدّد الألوان فبهت لوننا و تهنا نبحث عنه فيما بينها. وذاك التّراب استحال قطنا وضع في آذاننا حتّى لا نسمع أنين الأجداد وصراخهم لأنّهم أحسّوا الدّنس يخترق أجسادهم فاستحال عليهم ايصال شكواهم . ثمّ إنّ تراب الأجداد تلك العهدة الّتي أوكلت لنا لنحفاظ عليها واعتقدنا أنّنا أصبنا حين وثقنا في شعارات من تقدّموا علينا، صرنا نتسوّل لنقف عليه ونأكل فتاة الخبز فوقه فألفينا أنفسنا غرباء نبحث لنا عن مأوى فيه ونحن أصحاب الملك. أليس الصّمت جريمة يا صمتي؟ فوق تراب الأجداد سرقت مفاتيح كلّ الأبواب المؤدّية إلى غرف الرّاحة والاطمئنان ووقفنا على مفترقات لا يمكننا تحديد مآل أيّ منها فصرنا نضحك ونبكي ونقول الشيء وضدّه في ذات الوقت. شوّشوا على البوصلة الّتي تقود تحرّكنا فتهنا لبعض الوقت ليس لعجز فينا أو لقلّة حيلة عندنا بل لأنّهم سدّوا أمامنا كلّ السّبل المفتوحة نحو فسحات الضّياء و الوضوح وعبروا بنا نحو مطبات الظّلمات والعتمة فكيف لنا أن نرى حقيقتنا؟ .. عبثوا بأوراقنا وحاولوا محو بصمات آبائنا وأجدادنا كي يغيب حقّنا في الميراث. لكنّهم رغم كلّ جهودهم لتضليلنا نسوا أنّ لنا بوصلة لا يمكن مخاتلتها أو تغيير وجهتها. نسوا أنّنا ذوو عزم وعزمنا لا ولا يلين.. نسوا أنّ ما حملناه من ذرّات تراب الأجداد في عظامنا ودمائنا يشدّنا دائما إلى الطّريق ويدلّنا إلى شجرة الزّيتون وواحات النّخيل وخيمة تعوّدنا اللّجوء إليها ولو بعد حين. وغاب عنهم أنّ أقدامنا لا تنفكّ تتحسّس مسارها على أصوات فشلوا في اسكاتها هي أصوات أمّهات يبحثن في صدورهنّ عن حليب يرضعنه لكمشة من الجياع في أحضانهنّ فتصوّب مسارنا وتقودنا في مسيرتنا نحو الضّياء. فشلوا أيضا في اسكات أنين من بات بلا مأوى أعياه السّير حافيا واحترق وجهه من أشعّة الشّمس زمن الحرّ وتجمّد الدّم في عروقه زمن القرّ فيعدّل وجهتنا رغم التّيه وقلّة ذات اليد. غفلوا وهم في نشوة "انتصارهم" عن دماء روت تراب الأجداد وكانت روائحها عالقة بأنوفنا فهي تسحبنا نحوها كلّما تهنا أو نسيناها. تلك هي بوصلتنا وبفضلها لن نتوه ولن تنطلي علينا حيل بعد الآن . ولن نصمت...

رشدي الخميري/ جندوبة / تونس
Reactions

تعليقات