القائمة الرئيسية

الصفحات

مقطع من رواية (ذاكرة الاقفاص) - كريمة العباسي


بعض المقاطع اشعر انني كتبتها بدمي لا بقلمي..
شيء ما يهز جسدها، ليل ونجوم ملتمعة، قرص ضوئي كبير...يبدو أن الفجر قد إنبلج. دوران عجلات سريع يصلها من عمق سحيق. رائحة كحول ومواد تنظيف تخترق أنفها. تجاهد لفتح عينيها ولكن الصمغ المنسكب فيهما يحول دون ذلك. زمهرير ينفض جسدها.
خيل إليها أن عديد الدبابيس والابر الصينية تنغرز في جلدها وتمزق أوردتها...
رأت أطفالا يقتربون منها. إبتسمت ببشاشة ولكنهم كانوا مع
صوبي العيون فلم يتفطنوا لمبسمها المنفرج بفرح. أخرج كل واحد منهم منديلا زهريا كذاك الذي لفت فيه الخالة نعيمة رضيع خديجة يوم فاجأها المخاض تحت شجرة الزيتون.
ثبتوا أطرافها الأربعة وشدوا وثاقها بإحكام إلى السرير المضطجعة عليه. أخرجوا فيم بعد كيسا كبيرا وأخذوا يملؤون فمها بقطع ضخمة من الحلوى الهلامية بعد أن أمسك أحدهم أنفها بين سبابته وابهامه حتى يجبرها على فتح فمها وابتلاع ما في جوفها من سكاكر.
شيء ما يضغط على صدرها. اختنقت بقطع الحلوى وبدأ سائل اخضر يتسرب من أنفها وفما واذنيها وينثال على كامل جسدها.
رأت الأطفال يتقهقرون...تحولت ضحكاتهم المجلجلة إلى فحيح مرعب...حاولت أن تصرخ ولكن الحلوى المكدسة في جوفها لم تذب بعد. ظل ضخم يغطي قرص الشمس ويحجبه فيغرق كل شيء في غسق دامس.
يهتز جسدها من جديد، ينضغط قفصها الصدري، تسمع تكسر ضلوعها وتصبح الحلوى جمرا وعلقما. ضربات معول متتالية تهز شجرة اللوز فتمطر مدرارا كل ازهارها البيضاء وتكسوها. تشاغبها رائحة الكحول ومواد التنظيف والتبغ العفن...تشم رائحة الابخرة فتختنق.
يدخل الأطفال الأربعة من جديد. يلفحها هواء بارد. يفكون وثاقها وينفخون على جسدها المسجى فتتطاير أزهار اللوز في كل مكان. ينقشع الظلام ويتسلل نور خافت إلى عينيها.
صوت عجلات تدور وتدور تحت جسدها ، يصاحبها وقع اقدام كثيرة وهمهمات مبهمة. صرير باب خافت...ايد رطبة تتحسس جسدها..حرقة الملح في عينيها تذيب الصمغ الملتصق باهدابها...
تنظر حولها. " من الحيوان الذي شوه جسدك؟" يد خشنة تقبض على كتفها، ترفع بصرها فترتطم نظراتها بنظرات الحيوان...تغمض عينيها من جديد وتغرق في صمتها وملحها.


من روايتي # ذاكرة الاقفاص #
# كريمة العباسي #
Reactions

تعليقات