القائمة الرئيسية

الصفحات

البيوت الحاضنة - د. هالة الهذيلي بن حمودة


البيوت الحاضنة...


بقلم د. هالة الهذيلي بن حمودة
     انسدلت ظلمة الليل الطويل، هنا في رقعة من وطن بلا وطن يتهامس فيه هفيف الرياح ورذاذ المطر، اقبع اللحظة الراهنة اجادل وهما يقترب. بقيت ارقب هذا الكائن الذي يسكنني، ويختلج كل تفاصيل عمق اللامبالاة الواعية برهافة الموقف العصيب. رمقت عيوني المحوقة وانتفاخ جفوني المخترقة لذهني الشارد المتجدد جنونا وامل، لكني قررت الانسحاب فورا...فخرجت.
امتلأت حدّ الثمالة من فظاعة الاحداث المنتشرة تداولا في أروقة الفيس بوك والتوتير ومنصات التواصل الاجتماعي بأنواعها، قال لها صغيرها الممتد قبالتها قبل ان ينام، يكفينا اليوم من هذه الاخبار المزعجة، فلم تعد الانا قادرة على المكوث الا في اسوار المطبخ المعلقة. هناك بهذا الفضاء تباع اللهفة للإشباع والابداع، وتمتلك فيه العرش، كل النساء، فترحل سفرا وحلما لتحقيق كل رغبة لطبخ الفطور او العشاء.  في ركن من المطبخ وقفت انظرني طويلا وتحدثت بلغة الإشارات، صورة وصوت، أتوسل معدتي الكفّ عن الغثاء والرجاء، فليس لي القدرة على الامتلاء، واحتضان الاطياف والهواء. انها سيدة في مقتبل التجربة، في عقدها المورّد من جديد، حيث تعلم هنا وهي تترشف قهوتها العاشرة صمودها الفاشل امام فتنة النوم ضمن دائرة الراحة الابدية. جرعات من القهوة المتتالية من شانها ان تسكن ضوضاء الرهاب الذي يصفع بالبشرية.  لقد تعمقت علاقات الوصل بيننا وبين الاكل دون اشباع ولا اكتفاء، فنكون داعية لكثرة الظمئ وللعطش وطول الغياب.
خلدت الى مخدتها الملونة، في حضن بيتها العتيق، كل جزء فيه معتق بالذكريات مدجج بالاستفهامات. انها تعشق اللون وتصحبه اليها في أحلك ساعات الليل المنجلي. فترحل أمواج السؤال براسها المبلل بماء العطرشية، يتسلل باردا الى ذبذبات فكرها المتحمّس، فهل ان ما نعيشه من فزع الوباء ونحن في مشارف القيامة المعاصرة، القيامة الرقمية، هو ابتلاء بني البشر ام خالق البشر؟ وهل ستتجدد النوعية الحياتية وفق أنظمة التعاقد العاطفية؟  عقد الياسمين، رقصات اليافعين والحان المتشردين بدون حرم، تأخذني يمينا وشمالا. اريد ان احلم فقط، لأنام. سيخلد جسدي الى الراحة برهة وسأعود اليك على عجل.
لم تصغ نفسي لقولي فتركتها متحمسة حتى اعود... اليها مشبعة بكاس اخر من الشاي السيريلانكي وبقطعتي الاخيرة من الكيكة المثلّجة. من ذلك الصندوق المغلق والغامق والغامض استرق فناجيني الصباحية واتوصل لفوائد المنكهات الطبيعية من زهر الياسمين واوراق النعناع المخملية.
النوم احتواء لليقظة.
انها الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، تدثّرت جيدا فالطقس، في هذه الليلة الشتوية الربيعية الخريفية الصيفية الهجينة المتحولة، بارد الحرارة، والحيطة من الجائحة وما شابهها وارد ورهن الاشارة، اغمضت جفوني فلمحت شكل الكوفيد التاسع عشر ونحن في القرن الواحد بعد العشرون، لأجده مشحون، جدّ مميز، بل ومثير وملهم كحب الوطن. انه شكل مدبب كروي، متفاقم متراكب، متلون ومستجد ينمّي فينا لحظة استجلائه رغبة للصمت المحتمل، فصرخ الفنان بداخلي، متحسرا، لو كنت امتلك وفرة من النقود لاشتريت لونا، لرسمت رقصة زرادشتية، وعزفت موسيقى ايقاعية ثورية، تفتن الخوف الباطني الذي يسكننا.
اقرا فواصل مقتبسة من رواية زوربا المشبعة بفخاخ اللغة والاحداث المخترقة "كنت أحس إحساسا عميقا بان اعلى ذروة يمكن ان يبلغها الانسان ليست هي المعرفة ولا الفضيلة ولا الطيبة، ولا النصر بل شيء أكبر وأكبر بطولة واشد ياسا: الرعب المقدس" لم يخف زوربا خوفا ولا حماسة، فكان «صوته يرتجف كان يعرف انه لأمر يدعو الى الخجل الا يستطيع السيطرة على قلبه، الدموع الكلمات الرقيقة الحركات المضطربة والعواطف المبتذلة كل ذلك كان يبدو له ضعفا ولا يليق بالإنسان" هذا الانسان الحالم بالغد السمح الجمالي. ليس ما تعيشه الانا من هوس التفكير بالنجوم والمها سوى درب طويل وحلم "نتاشا" المغنية الخليجية بصوتها الخجول الالمعي بالخاتم "الأحمر اليماني".
زوربا المراوغ لكل أوجه الحياة كان راقصا متمرسا، لا يمل من المحاولة، فهي نوع من الرضا بان لا تكون يوما ضمن خبر "كان". ف"يا لمرارة الافتراق ببطء عن الأحباء، من الأفضل الانقطاع مرة واحدة والعودة الى الوحدة وهو جو طبيعي للإنسان". انها الوحدة الممتلئة، وفي نفس التوقيت من تلك الليلة المنقطعة، الغنية بلا أحد، ويبقى الله الواحد الاحد، ورغد نعمة اليقين بانه كل امتلاك للمحبة وللجاذبية.  تهاليل الفجر وصلاتي القائمة ودعاء الخائفين والمتيقنين بان الحبيب المصطفي هو الشفيع الباقي، واحتمال للنتيجة البائنة. فهل انام الليلة ام اكتشف اندفاع الزمان المتبقي.
على سطح هذه الأرض ما يستحق الحياة والمكابدة، وعلى سطح المخدة انسكبت افكاري الثورية السرية المتعانقة والمجادلة، فكم يحتوي هذا الراس من أفكار وخيالات إحساس محاربة؟ راس مخضرمة حاضنة لهوس الفكرة النابضة الملتحمة مع كل وقائع الراهن تدفعني لحدود صدمة الجنون، مساحة الفصل والابداع والكمون. فكيف اخرج من هذه الرحلة المعلبة؟ وكيف اسافر في رحلة التطهير المتفردة؟  ترحلت الأنا وهي على شفى الفجر في ليلة مطولة تنسج من اشكال الفيروس سنابل تشكيل متفتحة، تنسج بين العلم والفن إبداع المتوقع. وتسامر المخدة، سابحة في تفاصيلها المختلطة. فكيف نبدع في حيثيات بيوتنا المغلقة؟ وكيف يمنح جنون الابداع في الفرد فرص تطبيع فنونه على قارعة رسائل المخدة الهاربة في غيمة جنوبية سابحة؟ انها المخدة المتوهمة، وهي المخدة الخالية التي بكى على ردائها، العندليب الأسمر، وتلمّس، قربا، وودا، وحضنا، بات اليوم منعا وتلبسا وخرقا لنظم الوقاية المتأكدة. فكيف انسج الفرصة المهذبة للخلاص المتوقع؟  "فانا لست حزينا ولا مسرورا انني مع الله"، و"هي" مع الكلمات المتصوفة تخترق ابعاد الذهن الفائض برقصة مولوية صامتة.
 سالت الانا كيف أتوقع فهم" الشمس المنتصرة"   ونزع الحجاب عن غياب اللقاء، لقاء من هم في السماء ومن في الأرض أصبح اليوم تهمة مشاعة، فالله هو الحقيقة الوحيدة المؤكدة، في قلبها الميتم بالإيمان الخفوق المتجدد "فهناك صوت لا يستخدم الكلمات أنصت اليه". انه تجذيف عذب في تعب هذه الليلة اللا منقضية، اتقلب على بحر الوسادة المتضخمة المرتفعة كبساط علاء الدين فتأخذني متأملة لوسادة نافذة مثيرة للسؤال ومستغربة لفصاحة الصور العالقة. انها مخدة البحراني، وعالمه الحميمي المصور بكل هذا التفرد الطفولي المتبقي، يتمدد "الهو" المصور على الوسادة المحبرة. المخدة اللصيقة بنا فتعرفنا ونألفها، في مساحة الاعتياد المتوقع، ياسرها الفنان احمد البحراني في عوالم اللطخة العفوية والرموز المشفرة لواقع ينمو من جديد. انها رحلة متفردة في طرافة الموضوع وصدقه المتحول. فكيف لا نبدع في بيوتنا الحاضنة، أحضان الجنّة الذهنية لوطن الابداع المخترق، لنعانق في راهن الفيروس اللعين تراب المخدة الوافرة، مكنن الابداع الوثير المقتدر.
تدور اللوحات في زمنين منفصلين بين الواقع والخيالات المتيقظة، للبقاء بين ابيض الصمت وعمق الخط النابض. ف"حياتك حافلة مليئة كاملة او هكذا يخيل اليك حتى يظهر فيها شخص يجعلك تدرك ما كنت تفتقده طوال هذا الوقت مثل مرآة تعكس الغائب لا الحاضر وتربك الفراغ في روحك الفراغ الذي كنت تقاوم رؤيته." فإلى هنا وتنتهي صراعات الكتلة المنغمسة في سماء القماشة المطولة بحذق ودقة لا منتهية. يصور البحراني عوالمه المتخفية فتنفتح شبابيك الرحلة المتأملة في راهن الحجر البيتي واكتشاف قواعد العشق الأربعين. "فلا تهتم إلى أين سيقودك الطريق، بل ركز على الخطوة الأولى. فهي أصعب خطوة، يجب أن تتحمل مسؤوليتها. وما أن تتخذ تلك الخطوة، دع كل شيء يجري بشكل طبيعي وسيأتي ما تبقى من تلقاء نفسه. لا تسر مع التيار، بل كن أنت التيار."
اشهد انني لله متضرعة، في هذا الليل الأبيض متيقظة، أغمض اعيني المنفتحة، هربت صور المعرض الافتراضي لأحمد البحراني من سياقاتي النقدية المرتقبة، فبيته محضنة للجماليات المعاصرة، وانتفضت مسبّحة في مزاليج الكون السابحة. "فيا لطيف بك اللطف وأكثر، يا هو القادر المقتدر، المعيد الصبور، يا لطيف السماء والأرض، "يا لطيف الصنع يا غياث المستغيثين ويا ماضي الحكم إذا ما حكم فرج علينا الامر سرعة، ان الامر علينا عظم، واستجب منا دعانا كرما يا كريم انت رب الكرماء، قد سألنا اللطف منك عاجلا يا حليم انت رب الحلماء يا رحيم انت رب الرحماء..." فمن عليها قد احترق من شدة الهلع والفزع، فاحرق خالد بن سليمان ألواحه الخزفية المرتقبة، ببحوث خطية متعددة يلامس فيها الرجاء المحبّب.  يرسم الخزاف خطوطا متصاعدة وطلاسم للعفو والبقاء. "هو" اللطيف بنا في محنة الكورونا الخاطفة، تتكرر خطوط بن سليمان متصوفة، متصاعدة نحو تنويعات الحرف العربي ومكنوناته المتضخمة.
إن "القذارة الحقيقية تقبع في الداخل، أما القذارة الأخرى فتزول بغسلها. ويوجد نوع واحد من القذارة لا يمكن تطهيرها بالماء النقي، وهو لوثة الكراهية والتعصب التي تلوث الروح. نستطيع أن نطهر أجسامنا بالزهد والصيام، لكن الحب وحده هو الذي يطهر قلوبنا." فقواعد الوقاية الراهنة غسل اليدين جيدا بالماء والصابون وفي رحاب القواعد الاربعون حملت "الانا" المتزهدة لترصّف في ذهنها الاجسام المعلّقة المنصهرة المتوثبة في علاقات اللامكتمل والتعابير الهاربة في باب الجحيم المتوقع. رصّع رودان باب الجحيم بطاقة حب ملتهبة تجتمع فيها اجناس الفكر المتسائل المتهافت والمنفتح على طرافة النحت وصرحتيه.  امتدت الايدي وارتفع منصب المفكر عاليا وامتزج التلاصق الحميمي بملحمة الخطيئة المتسترة، واشرأبت الاعناق مهللة، تبيّنها حدةّ القولبة وقوة النحت المؤكدة والمتمرسة. "إن جهنم تقبع هنا والآن، وكذلك الجنة. توقفوا عن التفكير بجهنم بخوف أو الحلم بالجنة، لأنهما موجودتان في هذه اللحظة بالذات. " فركن بيتي حجر وسقف بيتي حديد فاعصفي يا رياح واهطلي يا مطر لست أخشى الخطر...
سأنام، اوشكت عليه هذا المنفلت الهارب، انني على شفى الراحة المتعبة، لن أفكر لا باللون ولا بالفيروس ولا بالحجر الصحي ولا بتفاصيلي المختلطة ولا بفواتير الماء الغير مسددة. "فلا قيمة للحياة من دون عشق. لا تسأل نفسك ما نوع العشق الذي تريده، روحي أم مادي، إلهي أم دنيوي، غربي أم شرقي . فالانقسامات لا تؤدي إلا إلى مزيد من الانقسامات. ليس للعشق تسميات ولا علامات ولا تعاريف. إنه كما هو نقي وبسيط. العشق ماء الحياة، والعشيق هو روح من نار! يصبح الكون مختلفًا عندما تعشق النار الماء."
فكيف تسهر ملائكة الرحمة في هذه الليالي الطويلة المتعبة؟ كيف تنام اعين الشرطة الحارسة؟ وكيف امرر نصائحي الناجحة فشلا لطفلة مراهقة متمردة؟   وكيف اقنع اميري اليافع بان المدرسة في عطلة مطولة؟ وكيف يسال الرئيس في كوكب زحل سكانه عن سارق الأموال المنهوبة المتبقية؟ فكل الأمور تحت السيطرة؟ فقط إصابات متنامية، فلا حزن في بلدي ولا قلق، فماذا نطبخ زوجة عمي على العشاء في السهرة المقبلة؟ ولماذا انقطعت رقصات نرمين المحمّسة للعقول المرفّهة؟  غدا، سأصلح المذكرات المنتظرة، وسأسأل صديقتي المغتربة متى يتم صرف جرايات الامل للحياة المتبقية؟ غدا سأتعطر بغبار الذهب واخضّب يدي اليمنى باللون الأزرق المحمّر، الفاقع اخضرارا، فالحناء زهو في هذا السهر. فكم اعشق رائحة الحناء في ليلة المطر.
انطفأت بطارية الهاتف المحمول، الساعة السادسة والنصف بتوقيت الوطن. ونساء بلادي نساء ونصف. لقد مات الشاعر صغير أولاد حمد، وتولدت حماسة المرأة الخارقة.
.... لقد نامت الانا المبدعة...خمس حالات للحلم...وأكثر
ففجركم هذياني هلامي سعيد... في بيوتكم الحاضنة.
صباح الخير السعيد.
لوحة الفنان احمد البحراني خمس حالات للحلم

البحوث الخطية لخالد بن سليمان في أيام الحجر الصحي

باب الجحيم للنحات اوغست رودان في القرن التاسع عشر، 6متر على 4 متر وتعود مؤثرات العمل لعدة مراجع منها بوابة الفردوس بفلورنسا وعمل مايكل انجلو الحساب الأخير والنصوص الأدبية لدانتي، وكان هذا المنجز مرفقا بعدة بحوث خطية ومجسمات مختلفة لنماذج تصميمية

Reactions

تعليقات