القائمة الرئيسية

الصفحات


الخمول يُطوّقني هذا الصّباح، لن أغادر غرفتي، سأغلق هاتفي، لن أكتب...ضباب يُحاصر المنزل بعد أنّ أحكم غلق الأبواب ومنع الشّمس من التّسرّب عبر نافذتي...قضبان صنعها القدر بخيوط سرقها من الشمس...لم يبق معي إلا كتاب كئيب يصف احتضار حياة بعد أن حاصرها الفناء، لم تبق لي إلا قهوتي تنحب حظّا اختار لها أن تكون نديمتي...هاهي قد جاءت على مهل تطلب الصّفح،فقد حاولت الهروب منّي ومن نفسي ومن هذه الأرض التي ملّت وجودنا فوقها... -سألتها:"لِمَ هاجمنا الضّباب هذا الصّباح وحرمنا من الخروج؟" -فأجابت:"لأنّني سافرتُ دون إذن من القدر،...كنت أحلم منذ سنين بجولة في العالم الآخر،ذاك المُسَمَّى ب"العالم المُتقدّم، قصدتُ إحدى سفاراته فَلَاقَيْتُ مِنَ الإهانة ما لم أره أبدا طوال حياتي الماضية،وكأنّني طلبتُ دخول الجنّة دون حساب،عُدْتُ أدراجي لِهَوْلِ الصّفّ الطّويل الذي لَمَحُتُهُ من بعيد وكأنّه يوم الحشر العظيم...بِنَايَةٌ فخمةٌ على أرضنا لكنّها ليست لنا،...طالبوني بالنّقود!!!!...وهل يدفعون المال مُقابل اكتساحهم لبناية راقية في أرضنا؟...قرّرتُ أن أسافر إلى عالمهم خلسة فوق غيمة شريدة خَرَجَتْ عن السّرب واختارت الخيال سفينة للنّجاة...حين وصلتُ إلى هناك ظننتُ الحياة ستبتسم ولن تنتهي ابتسامتها أبدا،سِرْتُ في الشّوارع أبحث عن سند،لم أجد غير عجوز شمطاء كتلك السّاحرة التي قرأتُ عنها في قصص"ألف ليلة وليلة"...خاطبتني تلك اللّعينة ضاحكة:"ما الذي أتى بِكِ إلى عالمي؟ما أتعسكم أيّها الشّعوب؟تتركون أراضيكم للنّهب لِتُعَمِِّرُوا أراضينا،لِتُنَظِِّفُوا منازلنا، لِتَجْمَعُوا القُمامة في شوارعنا بحثا عن حقوق مزعومة،...لكن مهما طال مُقامكم بيننا ستظلّون مُواطنين من الدّرجة الثّانية، فنحن لا نحتفي إلا بِعُلَمَائِكُمْ فقط لِنَنْهَلَ من عبقريّتهم ونستغلّ ذكاءهم الخارق في بناء أمجادنا،فهم يصنعون لنا ما نبيعه لكم من أسلحة ودواء ولباس وعطور وأوهام"... -أضافتْ قهوتي:"خِفْتُ من وجهها القبيح،فهربتُ نحو المجهول،...هاهي سمراء مثلي تسيرُ حزينة في إحدى شوارع هذه المدينة السّاحرة،اِستوقفتني قائلة:"ماالذي جاء بِكِ إلى أرض غير أرضكِ؟..أَوَلَمْ نَكُنْ لَكِ -نحن المُغتربات- عبرة؟سأروي لَكِ حكايتِي:أنا أيّتها الغريبة تركتُ أرضي يوما،ظننتُ أنّ العالم الآخر جنّة...مُغْرِيَةٌ هي الحياة في بدايتها هنا لو قارنناها بالحياة في أرضنا،لكنّنا كُنَّا ننعم بالرّحمة والمحبّة والسّكينة،...أمّا هنا فعليكِ أن تعملي وإلا ستنعمين بالحياة ذليلةً...منذ سنوات حين جئت إلى هنا ظننتُ أنّني اكتسبتُ أرضا جديدة احتوتني وقدّمتْ لي كلّ ما أريده،لكنّها لِتَمْنَحَنِي بطاقة هويّة انتزعتْ بعضا منّي.....مُشَتّتَةٌ أنا بين أرضين،بين وطنين،بين ثقافتين،بين تراثين،بين نفسي هنا وروحي هناك،.. أنا أعمل،نعم أعمل عملا حقيقيّا،عملا مُتْعِبًا،عملا أفنيتُ فيه عمري كي أحظى بالكرامة في أرضي البعيدة،...نحن هنا ننام قليلا ونتعب كثيرا،......أعيادهم أعيادنا وأعيادنا ليست أعيادهم،أكلهم أكلنا وأكلنا ليس أكلهم،عاداتهم عاداتنا وعاداتنا ليست عاداتهم،...ولكنّ أرضنا أرضهم وأرضهم ليست أرضنا،... تُلَاحِقُنَا الصّعوبات كلّ يوم ونشقى لأجل أرض ليست أرضنا، نحلم بأن نبنيَ حياة أفضل يوما ما في أرضنا...وحين تقترب حياتنا من نهايتها وتُنْهِكُنَا السّنين لا نطلب شيئا غير شبر من تراب أرضنا لننام فيه نومتنا الأبديّة". -صَمَتَتْ السّمراء قليلا ثمّ استطردتْ قائلة:"لا تحلو حياتنا إلا في عطلة قصيرة نقضيها في أرضنا،..وَاهِمٌ مَنْ يَظُنُّ أنّ بطاقة هويّة جديدة ستمنحُه وطنا جديدا،وَاهِمٌ مَنْ يظنّ أنّ هذا الوطن الجديد سيعتبرُه اِبْنًا له،..سيبقى دائما ابنه بالتّبنّي:لقد تبنّاه إمّا شفقة أو اضطرارا،...ولذلك لن يُعَامِلَهُ مُعاملة أبنائه، سيشقى الرّجل،ستشقى المرأة،وسيكون أبناؤهما قهوة بنُكهة أخرى، نكهة غريبة،نكهة بطعم العلقم،...قهوة فَقَدَتْ طعم أرضنا،قهوة مَزَجَتْ بين تُرابين مُختلفين،تضيع بينهما الهويّة ويبقى الوطن مُجرّد أعياد وأكلات ولباس تقليديّ وأغانٍ يُردّدها المُغترب وقت الضّجر". -واصلت السّمراءُ حديثها الطّويل مُخاطبة قهوتي:"أتعلمين ما الغُربة؟...الغربة هي أن ترحلي عن أرضك إلى أرض أخرى لكنّ جذوركِ تبقى هناك تحت التّراب تأبى أن تُرافقكِ،...لن تَنْبُتِي أبدا في هذه الأرض الغريبة،سَتَبْقَيْنَ زهرة في أَصِيصٍ(محبس زهور) ينتقل من ركن إلى آخر في بنايات هؤلاء،...وهذه الأرض التي منحتكِ بطاقة هويّة لن تزرعكِ أبدا في حدائقها الخالدة، ستنعمين بالحياة والسّعادة،وحين يتخلّى عنكِ القدر ستُهديكِ تلك الحضارة صندوقا فخما من أبخس أنواع الخشب لِتَعُودِي جُثّة هامدة،فَتَسْتَقْبِلَكِ أَرْضُكِ بدموع السّماء"... -هَمَسَتْ لي قهوتي وقد انقشع الضّباب وفكّ القدر الحصار عن غرفتي:"وبمُجرّد أن أَنْهَتْ السّمراء حديثها بحثتُ عن غيمتي الشّريدة فركبتُها وعُدْتُ في لحظات إليك...وها أنا الآن معك لأنصحكِ:"الغُربة نعيم الجحيم،...لا غِنًى لي عن أرضي التي مهما قَسَتْ عليّ فهي ضحيّة مثلي،ولن يحتضنني تراب مثل ترابها،ولن أشعر بالدّفء إلا فيها رغم ظلم بعض البشر"... 
Reactions

تعليقات