القائمة الرئيسية

الصفحات


وقفت على حافة الشّرفة ترمق الصّمت المطبق حولها في يوم قائظ كأنه استعار لهيبه من الجحيمِ∙
تسلّلت إلى سراديب الذّاكرة علّها تظفر بأخيلة تثلج فؤادها المستعر∙توهّمت أنّه بين يديها و في حضنها∙
كان لا ينظر إلى الدّنيا إلاّ بعينيها∙كان يقتات من رذاذ أمواجها المتلاطمة∙يداعب أوتار روحها ∙كانت مسكونة بضحكته البريئة∙كبر فكبر أملها و أمطرت غيمات الفرح في ضلوعها∙
كانا يشتركان في عشقهما للبحر الغاضب و لثورة النّار∙فراحت تدندن دون حماس "نار يا حبيبي نار"∙
ولجت إلى الغرفة تمني النّفس بنعاس يريح رأسها المثقوب بالأعباء تناهى إلى مسمعها صوت فيروز تغني "الغضب السّاطع آت" شدتها سورة الثّورة في الصّوت الملائكي
فراحت تجترّ الكلمات بأعلى صوتها "آت آتٍ"سمع ابنها فلذة كبدها توقيعها النّشاز، فاستسمحها أن تكفّ∙ يا إلهي لقد سهت أّنّه معتكف في غرفته يراجع لاجتياز الامتحانات∙ يا لحماقتها لقد عكرت هدوءه∙
و يعود صدى الأغنية"الطّفل في المغارة و أمه مريم وجهان يبكيان"
أجل الطّفل في الغرفة و أمّه شادية تغني ، وجهان مختلفان"
خيّم الصّمت و خفتت الأنفاس ∙و بدأ النوم يداعب جفونها
و بين يديها كتاب" ألف ليلة و ليلة"∙و من بعيد بين الرّفوف يناديها كتاب جديد "نار و غضب"لكاتب أمريكي يكشف أسرار الرّئاسة∙ حان أوان قيلولة مقدّسة ، النّوم ينهال على جمجمتها∙ فلتبتعدْ عن خيال العشاق و نفاق السّاسة∙∙
بدأت حواسها تتخدّر و سمعت ابنها يترنّم "الغضب الساطع آت" فارتاحت إلى أن ذوقه حافظ على عذريته فلم تصبه لوثة الهواتف∙ هل يفكر ابنها مثلها في الغضب الفلسطيني؟
"البيت لنا و القدس لنا"
هو سليل أبوين أفنيا عمريهما في تعليم البنين
و البنات لذلك تأثر بحبّهما للأدب و جرب أن يدرب أنامله اللّينة على إسالة الحبر عل أوراق ملونة و كتب يوما قصة الطّاووس المغرور الذي احترق بنار الخيلاء.
و انهالت عليه طلبات الأهل تشجيعا لموهبته الفذةِ∙
طرقت أبواب الذكرى فرأته يرقص طربا بالجائزة القيمة التي نالها في مسابقة قصصية∙ أية هزة فرح كانت تسكن جوارحه تشدّه من أطراف أصابعه إلى السّماء السابعة∙ يومها اطمأنت أن نطفة الإبداع استقرت في جسده ∙
ألفت نفسها تغُوص في حلم مِصري لذيذ فيه الدّمعة
و الضّحكة و الاندفاع و الثّقة الجامحة∙ سيصبح "باش مهندسا" يملأ الدنيا و يشغل الناس كما يتوق إلى ذلك عقله اشتد عوده و هجر عالم الخيال المقدس و انشغل بالعلوم∙
لم تدر كيف سرقها النوم و غابت في خدر ناعم
و بغتة دوّت صرخة أصاب أزيزها صميم أذنها ∙إنه صوت إطلاق نار فاضطربت اضطرابا مزلزلا و هي تصغي
إلى صوت يردّد" اقتله اقتله"
دار شعورها حول نفسها كالدوامة ∙و انطلقت تعدو نحو غرفة ابنها خيّل إليها أن رصاصا ينطلق من كل الجهات و أن جسمها يذوب دخلت الغرفة التفت يمنة و يسرة .وقع أقدام متدافعة ثقبت مسامعها ∙ أصوات تحتدم اخترقت الجو الخامل ∙صفارة مجنونة تولول ∙ توقعت أن تتأهب لخوض معركة مع العدو المحتلّ∙ سحقا للظالمين حملقت في ابنها المتسمر أمام هاتفه الذكيّ وهو يصيح" أكاد أموت زودني بالذخيرة
و الدم" آه آه دم وغضب في منزلها∙ ابنها يحتضر؟؟
يا للفاجعة من القاتل يا ترى؟؟
صاح من جديد "اِنحن اِنحن لتتفادى الرصاص المتتابع"
سدد مسدّسه مرة أخرى و أطلق رصاصة صوتية
في عجلة و لهوجة.
نشطت في نرفزة و ظلت تندب حظها "رأفة يا الله بهذه الأم الشّقية"∙ إنها أضغاث أحلام. هل ابنها مستغرق في الدروس أم في الصراع مع الأشباح؟؟ الدّويّ يقرع بقوّة صاروخيّة∙
سألته مرتعشة: "ما ذا حلّ بك" أجاب في برود:" سيُقضى عليّ إن أجبتك∙∙ لقد مت.. لقد متّ"
اقتربت منه لتحسس أنفاسه ∙ما زال عل قيد الحياة∙شعرت بنعمة النجاة و بصرها تجمّد على الهاتف∙ فنفخ ابنها في غضب:" إنها لعبة مجرد تسلية بالنار الحرّة ∙بها تسترد الحياة معناها المفقود∙إنّها منبه مسلّ في الملل الراكد ∙ رصاصة واحدة تجعل مني رجل الساعة"
نطقت في ذهول:" مسدسك يا بني لا يقتل إلا الصور
و خوفي أن تكون الضحية∙ نار حرة أحرقت عقلك
و كبلتك بسلاسل الهاتف فتلظيتَ بلهيب قيدها∙∙"
طالعتها الشّرفة المطلة على القمر و بدأت تستعيد الألحان
و تطرب لأنغام مختلفة.
"الطفل محاط بسرادق النار و أمه خائفة"
"الغضب الّساطع آت و أنا كلي إيمان"
ً🌿حنان الرقيق الشريف🌿 من صفاقس(تونس)🍀
Reactions

تعليقات